الحارة بعد أدهم: حين يصير الظلم نظامًا

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تنتهي قصّة أدهم، لكنّ آثارها لا تنتهي. ينتقل محفوظ في قصة جبل من مأساة الإنسان الفرد إلى عالمٍ أصبحت فيه المأساة نظامًا اجتماعيًا كاملًا. البيت الكبير لم يزل قائمًا، والوقف ثابتًا، وذرية أدهم لم تنفكّ تعيش في الحارة، لكن العلاقة بين هذه العناصر انقلبت. فالوعد القديم بأن يكون الوقف «لخير ذريته» لم يختفِ من الذاكرة، بينما الواقع الذي يعيشه الأحفاد صار فقرًا وإتاوةً وإذلالًا وعنفًا.

وهذه النقلة أساسية لفهم الرواية لاهوتيًا. فالشر الذي بدأ مع أدهم فعلًا داخل علاقة، أصبح بعد أجيالٍ بنيةً يعيش فيها أناس لم يشاركوا في القرار الأول. الناظر يستأثر بالريع، والفتوة يحميه مقابل نصيبه، والفتوات الأصغر يفرضون الإتاوات، والفقراء يعملون لكي يأكل غيرهم من تعبهم. يستطيع كل فرد داخل النظام أن يقول إنه لم يصنع الحارة بهذه الصورة، ومع ذلك يشارك الجميع بدرجات مختلفة في استمرارها. وتتجاوز الرواية هنا التصور البسيط للخطيئة بوصفها فعلًا شخصيًا منفصلًا. الخطيئة تدخل الزمن، وتتراكم، وتتخذ أشكالًا اجتماعية، ثم تصبح العالم الذي يولد فيه الجيل اللاحق. وهذا امتدادٌ طبيعي لما رأيناه مع أدهم: الفعل لا ينتهي عند صاحبه، لأن الإنسان يفعل داخل تاريخ، وأفعاله تدخل قصص الآخرين. عند ريكور، لا تُفهم الهوية الإنسانية خارج الزمن والسرد؛ فالحدث يكتسب معناه داخل قصة تتجاوز لحظة وقوعه، كما أن الفاعل نفسه يكتشف أن نتائج أفعاله أوسع من مقاصده الأصلية.¹ إلا أنّ محفوظًا يضيف عنصرًا أشد خطورة: الظلم يحتاج إلى رواية تحميه. يروي شعراء المقاهي  البطولات القديمة، ويتغنون «بمزايا الناظر والفتوات، بعدل لا نحظى به، ورحمة لا نجدها، وشهامة لا نلقاها، وزهد لا نراه، ونزاهة لا نسمع عنها». الرواية الرسمية للحارة انفصلت عن حياة أهلها. المظلوم يسمع خطابًا عن العدالة في الوقت نفسه الذي يُصفع فيه على يد الفتوة. هنا تصبح الذاكرة نفسها ساحة صراع. ويساعدنا جادامير  على فهم ذلك؛ فنحن لا ندخل التاريخ من خارجه، وإنما نولد داخل تقاليد ولغات وقصص سبقتنا وشكلت أفق فهمنا. ما نسميه «الماضي» لا يبقى خلفنا، لأنه يعمل داخل الطريقة التي نفهم بها حاضرنا. ولهذا يتحدث جادامير عن Wirkungsgeschichte، أي تاريخ الأثر أو التاريخ الفاعل: التاريخ الذي يستمر في تشكيل القارئ حتى وهو يحاول فهمه.²

وهذا بالضبط ما يحدث في الحارة. أدهم مات، لكن حكايته تحيا. الجبلاوي اختفى وراء أبواب البيت، لكن اسمه باقٍ. الوقف استولى عليه آخرون، لكن ذاكرته تمنح المظلومين لغةً يقولون بها إن ما يعيشونه ليس طبيعيًا. فالإنسان لا يعرف أنه مظلوم إلا لأن لديه تصورًا سابقًا عما ينبغي أن تكون عليه الحياة. ولهذا لا تكمن قوة الذاكرة في أنها تجعل أهل الحارة يحنّون إلى «الزمن الجميل». إنها تمنحهم معيارًا للحكم على الحاضر. تكمن المشكلة في أن هذه الذاكرة نفسها قابلة للترويض. يستطيع الشاعر أن يروي الماضي بطريقة تخدم أصحاب القوة. وتستطيع السلطة أن تحتفظ باسم الجبلاوي والوقف بينما تفرغ الاسم من مضمونه. وهنا تظهر إحدى أكثر أفكار الرواية عمقًا: قد تحتفظ الجماعة بالرموز نفسها، بينما ينقلب العالم الذي كانت تلك الرموز تشير إليه.

وهذه مسألة لاهوتية بامتياز. فالذاكرة الدينية لا تؤدي دورها لأنها تكرر الماضي، وإنما لأنها تمنع الحاضر من إعلان نفسه حقيقةً نهائية. يصف يوهان بابتست متس الذاكرة المسيحية، في سياق آخر، بأنها memoria passionis، أي ذاكرة الألم التي تقاوم قدرة المنتصر على كتابة التاريخ وحده.³ ويمكن سماع صدى هذه الفكرة هنا من داخل الرواية نفسها: فذكرى أدهم والوقف والبيت تمنع الفقر والإذلال من أن يصبحا «طبيعة الأشياء». ولهذا يبدأ التمرد حين يعود آل حمدان إلى ذاكرتهم. إنهم يعيشون في الفقر، لكنهم يتذكرون أنهم أبناء أدهم. يتعرضون للإذلال، لكن الوقف نفسه يقول في ذاكرتهم إن الحارة أُنشئت كي تكون حياتهم مختلفة. ومن هنا يولد السؤال الذي سيحرك قصة جبل كلها: كيف صار الوعد القديم نظامًا للظلم؟ وهذا السؤال أهم من البحث عن تطابق مباشر بين جبل وموسى. محفوظ يضعنا أولًا أمام عالم يحتاج إلى الخلاص قبل أن يقدم الشخصية التي ستدخل هذا العالم. جبل لن يصنع مشكلة الحارة، ولن يبدأ تاريخها من الصفر. سيولد داخل تاريخ مشوه، يحمل خيرًا قديمًا وذاكرةً مجروحة وعلاقات قوة راسخة.

ومن هنا تبدأ قصته حقًا: الخلاص لا يبدأ بظهور البطل، وإنما باللحظة التي يكف فيها الإنسان عن النظر إلى الظلم بوصفه أمرًا طبيعيًا.

للموضوع بقيّة
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ