محمد طه
اتفقنا إن اللي بيكتب الحلم ويصنع شخصياته ويوزّع أدواره هو حضرتك في أحد مستويات وعيك.. وإن الحلم بينسج حكاياته وقصصه من مواقف وأحداث يومية، وذكريات قديمة، وصراعات مكبوتة، وأمنيات ورغبات وتطلعات وصدمات.. وغيرها وغيرها..

أي كاتب سيناريو أو مؤلف بيكون ليه أدوات معينة معروفة في كتاباته.. أساليب خاصة بيستخدمها في خَلْق وصياغة الأحداث.. تقنيات وفنيات وتشبيهات واستعارات.. وهكذا..

الأدوات دي مش بس بيستخدمها عقلنا في رسم وتصميم وتنفيذ الأحلام..

هي كمان الأدوات اللي بتخلي الأحلام تؤدي وظائفها النفسية والجسدية..

هي اللي بتخلي الحلم يفتح جروح الماضي بمهارة.. ويطبّب كدمات الحاضر بلُطف.. ويواجه مخاوف المستقبل بذكاء.. 

الحلم مش بس مؤلف وسيناريست عبقري..

هو كمان طبيب شاطر حكيم..

فيه أربع أدوات رئيسية بيستخدمها الحلم كل ليلة علشان يكتب.. ويرسم.. ويعالج..

الأداة الأولى اسمها «استخدام الرموز- »Symbolization .. يعني عقلك وهو بيصمّم الحلم يختار رمز يحل محل شخص معين أو حدث معين أو موقف معين.. علشان لو الأشخاص والمواقف والأحداث طلعت في الحلم زي ما هي، أو زي ما حصلت بالظبط.. يبقى الحلم ما عملش أي حاجة.. وما فرقش عن الحقيقة.. ولم يؤدِّ وظيفته كما يجب. وقصة الرموز ومعانيها في الأحلام زي ما شوفنا قصة كبيرة وعجيبة ومكتوب فيها كتب.. ومعمول عنها دراسات وأبحاث كتير جدًّا.

ممكن عقلك يختار صاحبك علشان يلعب دورك في الحلم.. أو يختار قطة علشان ترمز ليكي في حلم تاني.. ممكن يستخدم الوقوع من مكان عالي كرمز لإحساسك بالخوف والقلق، وإنك «على الحافة ».. وممكن يرمز لشعورك بالذنب بإنك تتأخر على الامتحان.. رموز الأحلام زي الشفرة اللي بيستخدمها عقلنا علشان يكتب رسالة خاصة ومهمة تصل منك إليك.

الأداة التانية اسمها «التكثيف- »Condensation ، وهي إن الحلم ممكن يجمع بين أكثر من فكرة مع بعض في نفس الوقت، مش مجرد فكرة واحدة فقط.. ويجمع بينهم بشكل بسيط وعبقري في حكاية واحدة أو مشهد واحد.. يعني فيه حد حِلِم قبل فرحه بيومين إنه راكب عربية جديدة غالية وجنبه عروسته لابسة فستان الفرح، وإن أمه قاعدة بتبكي في الكرسي الخلفي.. والعربية عِطلت بيهم.. نزل يطلب مساعدة طلع عليه بلطجية ضربوه..

الحلم ده فيه ثلاث أفكار: فكرة إنه فرحان بزواجه وحياته الجديدة (العربية الجديدة الغالية).. وفكرة إن أمه من جواها حزينة إنه هيسيبها وهتاخده منها واحدة تاني.. وفكرة إنه خايف يفشل في حياته الزوجية (عطل العربية).. ثلاث أفكار ربطهم الحلم ببعض.. بيوصفوا علاقة أمه بيه.. وبيوصفوا فرحته بزواجه.. وبيوصفوا قلقه وخوفه الداخلي.. شايف الروعة..

الأداة الثالثة أداة غريبة جدًّا.. اسمها «الإحلال- »Displacement .. بمعنى إنه لو كانت إحدى أفكار الحلم مُحمّلة بقدر كبير من المشاعر اللي ممكن صاحب الحلم ما يستحملهاش.. فالحلم يوجّه نظر الحالم لفكرة أخرى داخل الحلم علشان يقدر يكمل الحلم ويستوعب رسالته.. 

يعني في الحلم السابق.. قدر المشاعر الأكبر داخل الحلم كان صدمة الراجل وخوفه الشديد من البلطجية اللي بدءوا يضربوه.. لكن الفكرة والرسالة الأساسية اللي الحلم كان عايز يقولهاله هي خاصة بعلاقته بأمه وبمراته: «خلي بالك، علاقة أمك بيك ممكن تبوّظ جوازك ».. وعلشان فكرة زي دي هتكون مُحمّلة بقدر كبير من الشعور بالذنب والاستنكار.. فالحلم قرر يوجه نظر الحالم ومشاعره لناحية تانية خالص..

الأداة الرابعة اسمها «المراجعة الثانوية- Secondary Revision .. يعني الحلم وإحنا بنحلمه.. بيكون عامل زي تصوير الأفلام والمسلسلات.. مشاهد غير مُرتبة زمنيًّا أو منطقيًّا.. ممكن المشهد رقم خمسين يتصور قبل المشهد رقم واحد.. وهكذا.. بس بعد ما يخلص الحلم، وفي اللحظات اللي بتسبق قيامك من النوم مباشرة.. بيبدأ عقلك يعمل «مونتاج » للحلم.. يُعيد ترتيب المشاهد ترتيبًا زمنيًّا ومنطقيًّا تعرف تفتكره وتحكيه..

مُنتهى العجَب!
معجزة حقيقة تحدث كل ليلة..

فيه طبعًا أدوات ووسائل وميكانيزمات تانية بيستخدمها عقلنا لتصميم وتنفيذ وإنتاج الأحلام.. بس كفاية علينا دول دلوقت..
***

في أكتوبر سنة 2024 ، أعلنت شركة »REM-Space« في كاليفورنيا، والمتخصصة في تحسين النوم والأحلام، أن علماءها قدروا - من خلال تقنيات متطورة جدًّا - إنهم يحققوا أول اتصال ثنائي الاتجاه بين الأفراد أثناء الأحلام.. يعني اتنين يتواصلوا مع بعض داخل الحلم بشكل مقصود ومتعمّد، مش صدفة أو تزامن.

عارف ده معناه إيه؟ 
متوقّع هيعمل إيه؟
ده هيفتح الباب لتطبيقات كتيرة جدًّا.. ومرعبة جدًّا.. من أول علاج الأمراض النفسية، وتطوير قدرات الإنسان العقلية.. لغاية زرع الأفكار والمعتقدات داخل عقول البشر وهما نايمين.. زي ما حصل في فيلم »Inception« بالظبط.

إحنا أمام بداية دخول أى حد عنده هذه التقنية إلى حلم أى حد آخر، وتوصيل رسائل معينة ليه أثناء نومه.. وربما عمل ما بدا له في طبقات ومستويات وعيه.. 
ربنا يستر..

نكمل فى الفصل الجاى..
محمد طه