ياسر أيوب
منذ ثلاث سنوات ماتت شاهيدا رازا، ومنذ ثلاثة أيام ماتت فاتن العزيزى.. ورغم اختلاف الاثنتين فى اسم الوطن وملامح الوجه وتفاصيل الحياة.. كان المشترك بينهما الانتماء للرياضة وألعابها والغرق فى البحر الأبيض، وحلم الرحيل بحثا عن حياة أفضل الذى انتهى بالموت.

فشاهيدا من باكستان، وكانت لاعبة كرة قدم وهوكى وكونج فو وكبك بوكسينج.. ولعبت مع منتخب باكستان فى الأربع ألعاب، ثم اكتشفت أن بطولاتها وميدالياتها لا تكفى لعلاج طفلها حسن.. فبعد ٤٠ يوما عقب ولادته أصيب حسن بسكتة دماغية أصابته بالشلل النصفى.. وظلت ثلاث سنوات تتردد به على مستشفيات كراتشى حتى أبلغها الأطباء بأن علاج حسن فى إيطاليا وليس فى باكستان.

ولم تكن شاهيدا تملك المال رغم فوزها ببطولة باكستان لكرة القدم ٨ مرات وميداليات دولية فى الكونج فو.. فقررت البحث عن أى وظيفة لجمع المال لعلاج طفلها دون جدوى..

وتحولت من لاعبة تملأ الدنيا بهجة إلى امرأة عاجزة حتى عن الابتسام وهى ترى طفلها الوحيد عاجزا عن الكلام والمشى واللعب.. فاعتزلت اللعب وقررت التسلل إلى إيطاليا لتبحث عن وظيفة هناك، وتوفر المال ليسافر ابنها لتلقى العلاج.. ومن أزمير التركية بدأت شاهيدا الرحلة إلى إيطاليا فى قارب صغير.. وفوجئت أسرتها باتصال تليفونى منها وهى فى القارب الخشبى وسط البحر تخبرهم فيه بأنه لم يبق سوى ساعات قليلة وتصل إلى إيطاليا.

وكان هذا آخر ما قالته شاهيدا قبل أن يتحطم المركب أمام ساحل كالابريا لتموت شاهيدا عاجزة عن إنقاذ ابنها.. أما فاتن العزيزى فهى من المغرب.. لاعبة كرة قدم فى نادى أتلتيكو طنجة.. أتعبتها المعاناة والفرحة المؤجلة والأحلام الضائعة.. وحين فوجئت بالمغاربة الكثيرين الذين قرروا السباحة للوصول إلى مدينة سبتة، التى لا تزال إسبانية، رغم أنها على الساحل المغربى.. والدخول إلى سبتة يعنى الدخول إلى إسبانيا.

وقررت فاتن أن تنزل إلى البحر وتعوم حتى تصل إلى سبتة ثم إسبانيا فى محاولة أخيرة للبحث عن حياة أفضل وأقل قسوة.. ومن المفارقات أن فاتن قررت ذلك أثناء استضافة المغرب لبطولة أمم أفريقيا النسائية لكرة القدم.. ولم تكن فاتن لاعبة دولية لكنها إنسانة قررت النزول إلى البحر لا لكى تعوم لكن للهرب من كل وجع واحتياج وعذاب.. ولم تبق إلا دقائق قليلة وتصل فاتن إلى سبتة لتبدأ فى إسبانيا حياة جديدة.. لكن لم يتعاطف معها البحر ولم يحترم دوافعها.. فماتت غرقا فى نفس البحر الذى غرقت فيه شاهيدا.. وغرق فيه مثلهما عرب وأفارقة كثيرون كان الموت نهاية رحلة البحث عن الحياة.
نقلا عن المصرى اليوم