بقلم: حمدي رزق
من نافلة القول، إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب، والصمت من شيم العظماء، ومن الحديث الشريف: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت"، وكما قال القديس أرسانيوس، معلم أولاد الملوك: "كثيرًا ما تكلمت فندمت، وأما عن سكوتي فما ندمت قط"، والمثل الشعبي يقول: "لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك".

الصمت كالصوم جُنَّة، أي وقاية، يمنح الإنسان وقتًا للتفكير قبل الكلام، ويجنبه الثرثرة التي تُوقع في الخطأ، لأن كثرة الكلام لا تخلو من معصية، والمعصية دينيًا تُقسم إلى كبائر وصغائر، ومثلها الخطايا في السياق العام، وزلات اللسان، حسب التفسير الفرويدي، نسبة إلى مؤسس مدرسة علم النفس سيجموند فرويد، تكشف عن رغبات مكبوتة أو أفكار خفية في العقل الباطن.

لا أزعم صمتًا، وأتحرى الصمت ما استطعت إليه سبيلًا، ويغلبني الكلام حينًا، ويلفني الصمت أحيانًا، وأتلفع برداء الصمت يعصمني من الزلل، وأتجنب المكلمات المنصوبة على مواقع التواصل الاجتماعي ما أمكن، وصومعتي من جدران صمتي، عازلة للصوت..

عندما قال الفيلسوف سقراط: "تكلم حتى أراك"، كانت دعوة للكلام، ولكنها ليست دعوة مطلقة للثرثرة، والروائي الروسي الأشهر دوستويفسكي يتحفظ على قول سقراط، ويقول " قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك".

هذا شأنه، يرى في الثرثرة بيانًا لما هو خافٍ، والسؤال: لماذا الصمت؟ لأنه منجٍ من المزالق والمهالك، ولأن المكلمة التي تصم آذاننا على السوشيال ميديا تخلف صخبًا، والصخب بمعنى الضجيج ، كصياح الناس في الفضاء الإلكتروني.

صارت المكلمة الإلكترونية صاخبة، بين ظهرانينا متكلمون مفطرون على الكلام، يثرثرون في أعقد المسائل الكونية، حتى في المسيرات والصواريخ العابرة للقارات، ورغم أن علم الكلام له أصوله وقواعده، وهو علم منهجي يبحث في العقائد وإثبات صحتها باستخدام الأدلة العقلية والفكرية، فإن ما يصم الآذان لا علاقة له بالعلم، ولا بالأدلة العقلية والفكرية، محض كلام فارغ من المضمون، مُخلٍ من الفائدة، لا يسوي مصلحة، ولا يجدي نفعًا، بين ظهرانينا أناس شغلتها الكلام، والفاضي يعمل قاضيًا أو محللًا استراتيجيًا، والصمت يعذبها، ويقض مضجعها، ويورثها قنوطًا.

في مديح الصمت قال الحكماء: الصمت لغة عمق الروح، الصمت أفضل من أن يكون لديك قلب ثرثار، والأخيرة من مأثورات الحكيم  "المهاتما غاندي"، ومعلوم، أعمق الأنهار تُصدر أقل ضجيج.. وما نعانيه في العقد الأخير فرط ثرثرة وكلام فارغ، المتكلمون يتكاثرون كالفيروسات المعدية، والصامتون متعبون من الضجيج، ولسان الحال: يا أهل المغنى، أقصد يا أهل الكلام، دماغنا وجعنا.

كل حادثة تمر بنا، حتى لو كانت مسيرة مجهولة، يتصدى لها مئات الآلاف من المتحدثين، وكل يدلي بدلوه، صاروا إذ فجأة خبراء مسيرات، ومحللي أقمار صناعية، يثرثرون في التوازن الاستراتيجي ثرثرتهم في كرة القدم، كما ثرثرتهم في الاقتصاد وسوق المال وبرنامج صندوق النقد، لا تعييهم كثرة الكلام، ثرثرة في الفاضي والمليان، كيف يصمت وبساط الكلام أحمدي، أيصمت والخلان يثرثرون، ويتكلمون، ويتبارون في التحليل والاستنتاج، وإيراد النتائج، وتمحيص الأهداف، وحساب التسلل، وظل الكرة تجاوز خط المرمى، وارتفاع المسيرات على انخفاض، ومسارات المفاوضات، وتفسير الأحلام، وكأنهم ورثوا التفسير من عمدة المفسرين "ابن سيرين"، ويبزون الإمام الحكيم أبا حنيفة، فى علم الكلام.

ولا يخجلون من ثرثرتهم الفارغة، وكلما ثرثروا أكثر حجزوا مكانًا على موائد الثرثرة الممدودة في الفضاء الإلكتروني، وتلك يؤمها الفارغون، والمثرثرون يتبعهم الغاوون، فيروس الكلام مُعْدٍ، و صدق طيب الذكر الشاعر الجميل "سمير الطائر" بكلمات مغناة بصوت الشحرورة صباح، عندما قال: "كلام.. كلام.. كلام.. بس ما بخدش منك غير كلام" !

وقد يقولها من يضجره الصمت، الكلام لم يُحرَّم، ولم يُجرَّم، والكلام ليس عليه جمرك، ولكن المكلمة التي تصم آذاننا جاوزت المدى، وخرقت سقوف الصمت، المكلمة  تحرفنا عن بوصلة الوطن، ومقاصده الوطنية العليا، نخسر كثيرًا بكثرة الكلام في الفاضي والمليان، ويظل المرء يثرثر ويثرثر حتى يُكتب ثرثارًا، والثرثرة جابتنا لورا، وليس كل ثرثار عالمًا بذات الأمور المخفية، والفيلسوف السويسري جان جاك روسو، يقول: "الناس الذين يعرفون القليل يتحدثون كثيرًا، أما الذين يعرفون الكثير فلا يتحدثون إلا قليلًا». ولوينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني العتيد، مقولة عميقة المعنى: «حين تصمت النسور، تبدأ الببغاوات بالثرثرة"، ولطيب الذكر الروائي المصري " بهاء طاهر " حكمة تقول: "أعرف أني يمكن أن أساعد الآن بالصمت أكثر مما أساعد بالثرثرة".

وفي مديح الصمت يُنسب للفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه ،  قول سديد: "ندمت على الكلام مرات، وما ندمت على الصمت مرة"، وفي السياق يقول المسرحي الإنجليزي الشهير  " وليم شكسبير ": "هناك كلام لا يقول شيئًا، وهناك صمت يقول كل شيء". ما نسميه الصمت البليغ، وفي تعريف الصمت البليغ ، السكوت المتعمد المليء بالحكمة والمعاني العميقة، والذي يكون فيه عدم الكلام أشد تأثيرًا وأكثر تعبيرًا من ألف كلمة. وفي هذا يقول  العظيم "نجيب محفوظ": "قد يصنع الصمت ما لا يصنعه الكلام". وفي الأخير، نصيحة الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه: "كن صموتًا من غير عِيٍّ، فإن الصمت زينة العالم، وستر الجاهل". 
نقلا عن الأهرام