سمير مرقص
(١) «الترامبية زمن عابر أم تأسيس لعصر جديد؟»

طرحنا هذا السؤال فى مقال لنا نشر فى يناير ٢٠٢٦ بعنوان: «حصاد السنة الأولى من العهد الترامبى الثانى»؛ خلصنا فيه إلى أنه بعد سنة من ولاية الرجل الثانية «لم يعد السؤال: هل العهد الترامبى إلى زوال؟ أم أن محصلة العهدين سوف تؤسس لعصر جديد يقوم على الترامبية؟ وهل سيكون هذا الزمن الترامبى استثناءً فى التاريخ غير قابل للاستمرارية إذ يرتبط بصاحبه أم كيف ستكون الاستمرارية؟ على أى حال ليس أمامنا إلا انتظار سنوات الحكم المتبقية فى العهد الترامبى الثانى للإجابة عن السؤال الرئيس: هل الترامبية زمن عابر أم تأسيس لعصر جديد؟ لم يمر وقت طويل حتى صدر كتاب يرد على هذا السؤال عنوانه: «مسار الترامبية: حديث العنصرية، والفاشية، والحرب الأهلية، وما وراء ذلك The Trajectory of Trumpism: Talking about Racism، Fascism، Civil War، and Beyond»؛ لأحد أهم الأساتذة الأمريكيين فى العلوم السياسية المتخصصين فى تحولات الدولة الأمريكية والديمقراطية والشعبوية والعدالة الاجتماعية هو «سانفورد شرام». فلقد جاء كتاب «شرام» ليقول لنا بوضوح وفق تحليل دقيق أن «ترامب قد يكون شخصية عابرة، أما الترامبية فقد باتت ظاهرة حاضرة فى بنية المجتمع الأمريكى»، هناك من يدعمها وأصبح لها قاعدة اجتماعية تحملها. (نشير هنا أننا استخدمنا مبكرا فى كتاباتنا تعبيرى «الترامبية والزمن الترامبى» ويمكن مراجعة مجموعة مقالات كتبت متفرقة فى هذا المكان بداية من أغسطس ٢٠١٨.

(٢) «خطاب الترامبية التعبوى التضليلى»

يجتهد «شرام» على مدى فصول الكتاب السبعة، لا فى تفسير شخصية ترامب، بل فى تتبع المسار الذى سلكته الترامبية منذ ظهورها وحتى أصبحت أحد أهم محددات الاستقطاب السياسى والانقسام والصدام والصراع الطبقى فى الولايات المتحدة. ومن ثم انشغل بالإجابة عن سؤال ما مستقبل الترامبية؟ وهل أصبحت تمثل تحولا هيكليا فى الديمقراطية الأمريكية؟ لذا تأتى الفصول (٢٥٧ صفحة) مباشرة فى موضوعاتها وذلك كما يلى: الفصل الأول: الترامبية: خطاب حركة. الفصل الثانى: مسار الترامبية. الفصل الثالث: العرقية. الفصل الرابع: الفاشية. الفصل الخامس: حرب أهلية. الفصل السادس: الادعاءات القضائية ما هى إلا اضطهاد للترامبية Prosecution as Persecution. الفصل السابع: المستقبلات البديلة للترامبية. فى الفصل الأول الذى يعد تأسيسيا لأنه تناول خطاب discourse الترامبية (استخدم تعبير خطاب فوق تداولى لوصف الخطاب الترامبى) من خلال الحركة السياسية: «الترامبية لا يمكن اختزالها فى برنامج انتخابى أو حزب سياسى، بل هى منظومة خطابية كاملة تقوم على: توليد التطرف، والتضليل، وتطبيع الأكاذيب (فالكذب مبرر من قبل التابعين لأنه فى صالحهم I Lie for You & You Stand for Me)، والبلاغة التى تتلاعب بالعقول،.. إلخ.

ويرى المؤلف أن «قوة الترامبية لا تكمن فى اتساقها الفكرى، بل فى قدرتها على إنتاج خطاب بسيط ومباشر، يختزل القضايا المعقدة فى شعارات سهلة التداول، ويمنح قطاعات واسعة من الأمريكيين شعورا بأنهم يستعيدون أمريكا التى سُلبت منهم» من قطاعات أخرى. وفى هذا يلتزم الخطاب روحية تعبوية وتحريضية تستفيد كما يشير المؤلف فى الفصل الثانى من: أولا الاستقطابات الداخلية للحزب الجمهورى، وثانيا من الأزمات المجتمعية التى ولدت قلقا لدى الطبقة الوسطى والطبقة العاملة البيضاء ومن ثم وجدوا فى الترامبية استجابة لقلقهم من جهة، وللأزمة البنيوية المجتمعية الأمريكية من جهة أخرى.

(٣) «مآلات الترامبية: العنصرية.. الفاشية..

الحرب الأهلية.. المظلومية»


فى الفصول من الثالث إلى السادس يرصد المؤلف كيف أججت الترامبية كل من: أولا: العنصرية؛ إذ جعلها الخطاب الترامبى للترامبية دافعا للحشد السياسى للعنصر الأبيض اليمينى المسيحى فى مواجهة العرقيات الأخرى. ومن ثم إعادة تشكيل التحالفات السياسية لا على أساس اقتصادى فقط، بل إثنى: عرقى، ولونى، وجهوى، وقومى. وثانيا: الفاشية؛ فبالرغم من أن المؤلف لا يعتبر الترامبية متطابقة بالتمام مع الفاشية الأوروبية الكلاسيكية إلا أنه يرصد مشتركات بينهما مثل: تمجيد الزعيم، والطعن المستمر فى المؤسسات، والتشكيك فى نتائج الانتخابات، والاستقطاب الحاد، واستخدام الخطاب القومى بوصفه أداة للتعبئة السياسية. كما أججت ثالثا: حربا أهلية؛ بالطبع ليس بالمعنى الحرفى المادى وإنما بالمعنى السجالى الثقافى والدينى والسياسى فى المجال العام والإعلام. وهو ما تجسده حالة الاستقطاب المجتمعى التى تظهر فى كثير من مواقف الحياة اليومية. رابعا: المظلومية؛ ويتجلى الإحساس بالمظلومية« من خلال الترويج بأن الدعاوى القضائية والتحقيقات البرلمانية ضد ترامب ما هى إلا حملة اضطهاد منظمة حيال من يمثلهم ترامب: جماعته/ طائفته Trumpism as a Cult. ويجعلون من هذه الملاحقات القانونية والسياسية فرصة لتدعيم وحدة الترامبية من جانب أول، واستراتيجية انتخابية من جانب ثان، وتطبيع الولاء الأعمى من جانب ثالث، والدفاع عن خروج الزعيم على القانون مهما كلف الأمر من جانب رابع.

(٤) «سيناريوهات أربعة حول مستقبل الترامبية»
ويختتم الفصل السابع باستشراف مستقبل الترامبية بعد انتهاء العهد الترامبى الثانى. فيضع السيناريوهات التالية: الأول: استمرار الترامبية كتيار داخل الحزب الجمهورى. الثانى: انتظام «الترامبيون» فى كيان مستقل. الثالث: اندماجها فى التيار الشعبوى العريض. الرابع: انقسامها. وأيا ما كان السيناريو الذى ستؤول إليه الترامبية فإن الترامبية ستظل حاضرة متى بقيت الأزمات والتناقضات قائمة وإن جهدا سيبذله الترامبيون من أجل تطبيع الترامبية. ما يعتبره البعض خطرا داهما لتنامى ديكتاتورية ترامب. وأن الحركة سوف تميز نفسها عن الحزب من خلال تبنى سياسات المظلومية Grievance Politics. وبعد، يقدم الكتاب مادة ثرية لكل من يسعى إلى فهم الترامبية باعتبارها ظاهرة سياسية وفكرية واجتماعية تعكس أزمة الديمقراطيات الحديثة وإمكانية ظهور نزعات سلطوية جديدة تستخدم أدوات ديمقراطية للوصول إلى السلطة.
نقلا عن المصرى اليوم