الأنبا إرميا
أودُّ أن أهنئكُم جميعًا ببدء صَوم السيدة العذراء، الذى يبدأ فى الأول من شهر مسرى القبطى، ويستمر مدة خمسة عشر يومًا، لينتهى بعيد إعلان صعود جسد السيدة العذراء إلى السماء بعد نياحتها.

بركة شفاعات وصلوات السيدة العذراء التى تسكن فى قلوب ملايين المصريين، مسلمين ومسيحيين، تبارك الجميع وتحفظ سلامَ بلادنا الغالية مصر التى تشرفت ببركة لجوء العائلة المقدسة إليها هربًا من وجه الشر المتمثل فى الملك هيرودس.

والسيدة العذراء لها من الحب والمكانة فى قلوب المصريين الكثير؛ إذ إنَّ كرامتَها وإجلالَها تنطق بها النفوسُ وتتهلل بها القلوبُ. ولم تنل أى امرأة منذ خُلِق الإنسان ما نالته السيدة العذراء من بركات ومحبة استمرت على مدى الأجيال والأزمان، وستستمر إلى نهاية الأزمان؛ تحقيقًا للكلمات التى نطق بها الوحى الإلهى على لسان السيدة العذراء «فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي» (لوقا ١: ٤٨)، بعد ما التقت نسيبتها أليصابات التى باركتها.

وعلاقة السيدة العذراء بالسماء علاقة وطيدة؛ بدأت مع الآباء والأنبياء من قبل ولادتها، واستمرت طوال حياتها؛ فالسيدة العذراء هى المرأة التى ذكرها الله فى وعده لأبوينا آدم وحواء حينما أخطآ أمام الرب فقال لهما إن نَسل المرأة يسحقُ رأسَ الحيّة؛ فَمَن هى هذه المرأة سوى السيدة العذراء التى وَلَدَت السيد المسيح. كما تنبأ الأنبياء عن السيدة العذراء، ومن تلك النبوءات نبوءة أشعياء النبى: «وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ (عِمَّانُوئِيلَ)» (أشعياء ٧: ١٤). وأيضًا سليمان الملك والنبى حين قال فى سِفر الأمثال: «بَنَاتٌ كَثِيرَاتٌ عَمِلْنَ فَضْلًا، أَمَّا أَنْتِ فَفُقْتِ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا» (أمثال ٣١: ٢٩).

جاءت ولادة السيدة العذراء ببُشرَى من السماء؛ ففى مدينة الناصرة كان والداها يواقيم وحنة البارَّان يقيمان، وإذ لم يكن لهما نسل، فكانا حزينى القلب جدًا، دائمين فى طلبهما وصلاتهما إلى السماء أن يُرزَقا بنَسْل، حتى إن حنة نذرت نَذْرًا لله أثناء صلاتها قائلةً بحرارة ممتزجة بالانسحاق والتواضع: «إذا أعطيتنى ثمرةً فإنى أقدمها نذرًا لهيكلك المقدس».. ولما جاء ملء الزمان، بحسب التدبير الإلهى، حمل ملاكُ الرب بِشَارة السماء إلى يواقيم الشيخ مُبَشِّرًا إياه بأن الله سيرزقه نسلًا مباركًا. فَرِحَ يواقيم الشيخ وأَعلَمَ زوجته حنة بما رأى وسمع، ففرحت من أجل استجابة الله لصلواتهما شاكرة الله، ثم حبلت وولدت ابنة سمَّتها «مريم».

تَربَّت مريم فى كَنَفِ والديها حتى بلغت سن الثالثة، ومضت بها أمها إلى الهيكل كى تنفذ وَعْدَها وتَهِبُ الطفلة الصغيرة «مريم» إلى الهيكل؛ حيث أقامت هناك حتى بلغت سن الثانية عشرة.


ويُذكَر عن مريم العذراء أنها كانت دائمةَ الصلاة فى الهيكل، متعبدةً بأصوام، حتى إنها كانت تقتات خلال تلك السنوات من يد الملائكة. وفى تلك الأثناء، تنيَّح والداها وهى فى الثامنة من عمرها لتصبحَ مريم تحت رعاية السماء.

وعندما بلغت السيدة العذراء سن الثانية عشرة كان ينبغى أن تغادر الهَيكلَ.. وإذ كان والداها قد تَنيَّحا، فتشاور الكهنةُ وقرروا أن تُخطَب رسميًّا لشخصٍ يمكن له أن يرعاها، ويهتم بشؤونها، فقاموا بجمع اثنى عشر رجلًا بارًّا من رجال سِبْط يهوذا كى ما يُودِعوها عند أحدهم؛ وأخذ الكهنة عِصِى الرجال ووضعوها فى الهيكل، فأعلنت السماء اختيارها؛ إذ أتت حمامة ووقفت على عصا يوسف النجار، فأدرك الكهنة أن ذلك الأمر هو من الله، وأن الشيخ يوسف النجار الذى عُرِفَ بِبِرِّه هو مَن اُختِيرَ من أجل رعاية مريم العذراء، فتسلَّمها الشيخُ من الهيكل، لتنتقل إلى منزله، وظلت هناك حتى تدخلت السماء.. وللحديث بقية.

و.. والحديث فى «مِصر الحُلّوة» لا ينتهى!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى
نقلا عن المصرى اليوم