سفر يونان النبيّ: هل كان آباء الكنيسة أصوليّين حرفيّين؟

 الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ناس كتير من الأصوليّين بيقروا الكتاب المقدّس بطريقة حرفيّة سطحيّة، ثم يلصقون على قراءتهم العبارة السحريّة: «وده تسليم الآباء». وكأن آباء الكنيسة كانوا جماعةً متطابقة، لا يعرفون من التفسير إلا تحويل كلّ آية إلى تقرير صحفيّ أو معلومة علميّة، ومَن لا يقرأها بالطريقة نفسها يكون قد أنكر الكتاب المقدّس!

لكن هل هذا احترام للآباء، أم تعدٍّ عليهم؟ هل نقرأهم كما كتبوا فعلًا، أم نصنع آباءً أصوليّين على صورتنا، ثم نطلب منهم أن يوقّعوا أسفل آرائنا؟ الحقيقة أكثر تعقيدًا. بعض الآباء شدّدوا على المعنى التاريخيّ في نصوص معيّنة، لكنهم لم يكونوا حرفيّين بالطريقة نفسها في كلّ النصوص. والقول إنهم قرأوا الكتاب كله قراءةً حرفيّة مسطّحة هو خيال محض. لقد ميّزوا بين المعنى التاريخيّ، والرمزيّ، والروحيّ، والأخلاقيّ، ورأوا أن التوقّف عند سطح الحرف قد يحجب مقصد النصّ بدل أن يحفظه.

لنأخذ مثالًا واضحًا: القدّيس جيروم، الذي وُلد على الأرجح بين سنتَي 345 و350، وتوفّي سنة 419 أو 420. وهو ليس شخصًا هامشيًّا في تاريخ الكتاب المقدّس، بل أحد أعظم علماء النصوص واللغات في الكنيسة القديمة، وصاحب الترجمة اللاتينيّة التي صارت أساسًا للڤولجاتا.

في شرحه لسفر يونان، لا يبدأ جيروم من السؤال الأصوليّ المعتاد: هل كان الحيوان حوتًا أزرق أم حوتًا من نوعٍ آخر؟ وهل كانت معدته مزوّدةً بالأكسجين؟ وكم ساعة يستطيع الإنسان أن يبقى داخل الجهاز الهضميّ من دون أن يهلك؟ ومَن لا يقتنع بهذا السيناريو البيولوجيّ، هل يُحرَم فورًا من الإيمان؟

هذه ليست الأسئلة التي تحكم شرح جيروم. فهو يقرّ أولًا بما يسمّيه «الأساس التاريخيّ»، لكنه لا يعدّ هذا الأساس نهاية التفسير أو غايته. وبعد أن ينتهي من عرضه التاريخيّ، يقول: «هذا في ما يتعلّق بالأساس التاريخيّ. أمّا بعد، فلا نجهل [...] أن تفسير النبيّ كلّه على أنه يشير إلى المخلّص يتطلّب جهدًا بالغًا: هربه، ونومه، وإلقاءه في البحر، وابتلاع الحوت له، وطرحه على الشاطئ، ثم كرازته بالتوبة...». ثم يعلن المبدأ اللاهوتيّ الذي يحكم قراءته: «لن يكون ثمّة مفسّر لرمزه أفضل من ذاك نفسه الذي ألهم الأنبياء، ورسم مسبقًا في عبيده ملامح الحقيقة الآتية». إذًا، جيروم لا يلغي التاريخ، لكنه لا يعبده. التاريخ عنده أساس، لا سقف. والحدث لا يُقرأ منعزلًا عن المسيح، لأن المسيح نفسه هو مفسّر الرمز، وهو «الحقيقة الآتية» التي كانت حياة النبيّ ترسم ملامحها مسبقًا. 

ليس السؤال: هل ابتلع الحوت يونان؟ بل: ماذا يكشف يونان عن المسيح؟ منذ مقدّمة الشرح، يسمّي جيروم يونان «رمزًا للمخلّص»، ويرى أن إقامته «ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ في بطن الحوت» سبقت فرمزت إلى قيامة الربّ. لكن الرمز عنده لا يقتصر على الحوت والأيّام الثلاثة، بل يمتدّ إلى بنية السفر كلها: يونان، ونينوى، والبحر، والسفينة، والعاصفة، والإلقاء في الماء، والخروج من الحوت.

وعندما يبدأ شرح الآيات الأولى، يقول: «حسب التفسير الروحيّ، فالربّ، الذي هو يوناننا، أي “الحمامة” أو “المتألّم” — فالاسم يحتمل المعنيين — هو كذلك: إمّا لأن الروح القدس نزل عليه في هيئة حمامة وأقام فيه، وإمّا لأنه تألّم بسبب جراحنا، وبكى على أورشليم، وبجراحه شُفينا. وهو حقًّا “ابن الحقّ” — لأن الله هو الحقّ — وقد أُرسل إلى نينوى الجميلة، أي إلى العالم». لاحظوا ما يفعله جيروم هنا. يونان لم يعدشخصًا قديمًا مطلوبٌ من القارئ أن يصدّق تقريرًا عن مغامرته البحريّة، بل صار صورةً للمسيح:

يونان هو «الحمامة»، والمسيح هو الذي نزل عليه الروح في هيئة حمامة. وهو «المتألّم»، والمسيح هو الذي حمل جراحنا وبكى على أورشليم. وهو «ابن الحقّ»، والمسيح هو ابن الله الذي هو الحقّ. أمّا نينوى، فلا تعود فقط مدينةً أشوريّة قديمة، بل تصبح صورةً للعالم كلّه، العالم الجميل في خلقه، الفاسد بإرادته، والمدعوّ إلى التوبة.

فالموضوع عند جيروم ليس إثبات «قابليّة الحوت لابتلاع إنسان»، بل إعلان أن الله يرسل كلمته إلى عالم فاسد لكي يخلّصه. ولهذا يربط بين إيمان نينوى ورفض إسرائيل: «أُرسل يونان إلى الأمم لإدانة إسرائيل؛ لأنه، فيما تتوب نينوى، يستمرّ إسرائيل في شرّه». وفي خاتمة المقدّمة يقول: «هم عندهم الكتب، ونحن عندنا ربّ الكتب؛ هم عندهم الأنبياء، ونحن عندنا فهم الأنبياء؛ إياهم يقتل الحرف، أمّا نحن فيحيينا الروح». المفارقة لاذعة: يمكن لإنسان أن يمتلك الكتاب، لكنه لا يمتلك فهم الكتاب؛ أن يحفظ الحروف، لكنه يرفض الربّ الذي تتحدّث عنه الحروف. وهنا تتحوّل الحرفيّة من علامة أمانة إلى إمكان حقيقيّ للعمى: عندك النصّ، لكنك لا ترى مَن يشير إليه النصّ.

هرب يونان يصبح صورةً للتجسّد
حتى هرب يونان إلى ترشيش لا يتركه جيروم عند مستوى الجغرافيا وحدها. فهو يطبّقه على المسيح، فيقول إن ربّنا ومخلّصنا ترك بيته ووطنه، وإنه، باتّخاذه الجسد، «هرب»، إن جاز التعبير، من السماوات، وجاء إلى ترشيش، أي إلى بحر هذا الدهر. لا يقصد جيروم، بطبيعة الحال، أن المسيح هرب حرفيًّا من السماء في سفينة فينيقيّة! إنه يعيد بناء القصّة لاهوتيًّا: خروج يونان من أرضه يصبح صورةً لنزول الابن؛ والبحر صورةً للعالم المضطرب؛ والسفينة صورةً للبشريّة التي تعصف بها الرياح؛ ونوم يونان صورةً لتواضع المسيح وقبوله ضعف الجسد.

وهنا تظهر المسافة الهائلة بين القراءة الآبائيّة والقراءة الأصوليّة الحديثة. الأصوليّ يسأل: هل حدثت التفاصيل بالطريقة المادّيّة نفسها؟ أمّا جيروم فيسأل: إلى أيّ سرّ تقودنا هذه التفاصيل؟ وكيف تحملنا من يونان إلى المسيح؟

السفينة هي البشريّة، والعاصفة هي اضطراب العالم
حين يشرح جيروم مشهد السفينة والعاصفة، لا يقرأه بوصفه مجرّد تقرير عن اضطرابات الطقس. السفينة عنده هي الجنس البشريّ، والبحر هو العالم، والرياح هي التعاليم والآراء المتصارعة، والعاصفة هي اضطراب البشريّة قبل آلام المسيح. ويصبح إلقاء يونان في البحر صورةً لآلام المسيح الطوعيّة التي تهدّئ العاصفة. فالشرح الفرنسيّ الأكاديميّ للنصّ يلفت النظر إلى أن يونان هنا ليس سوى يسوع، وأن «موته الطوعيّ يهدّئ العاصفة الكونيّة». وبعد إلقائه يهدأ البحر، كما تهدأ البشريّة بموت المسيح. ثم يقول جيروم عن يونان: «بهربه في البحر، وغرقه، وموته، يخلّص السفينة التي تتقاذفها الأمواج، ويخلّص الوثنيّين الذين كانت ضلالات العالم تقذف بهم من رأي إلى آخر». ليست المسألة، إذًا، أن النبيّ نجا من حادث بحريّ عجيب فحسب؛ بل إن موته يصير حياةً للآخرين، ونزوله يصير خلاصًا للسفينة، كما يصير موت المسيح خلاصًا للعالم. بل يذهب جيروم إلى القول إن العاصفة لا يمكن أن تهدأ إلا بموت الهارب، أي بالموت الذي يقبله المسيح طوعًا من أجل البشريّة.

الحوت ليس مشكلةً في علم الحيوان، بل صورة للموت والجحيم وعندما يصل جيروم إلى الحوت، لا يقضي الصفحات في الدفاع عن التشريح الداخليّ للحيوانات البحريّة. إن صورة الحوت عنده تدخل فورًا في لاهوت الموت والقيامة. فهو يقول إن الربّ أمر الموت والجحيم أن يستقبلا النبيّ؛ فظنّاه فريسةً، وفرحا بابتلاعه، لكنهما حزنا حين اضطرّا إلى طرحه خارجًا. ثم يكتب عبارته البديعة: «ينبغي أن نلاحظ أن الموضع الذي ظُنّ أنه هلاك، صار موضع حفظ». هنا تنقلب صورة الحوت تمامًا. ما يبدو قبرًا يصير رحمًا؛ وما يبدو هلاكًا يصير حفظًا؛ وما يبدو انتصارًا للموت يصير بداية هزيمته. الحوت لا يبتلع يونان لكي ينهي حياته، بل لكي يحمله عبر الموت إلى حياة جديدة. وهذا هو قلب القراءة المسيحيّة للقصّة: القيامة لا تحدث بتجنّب الموت، بل بتحويل الموت نفسه إلى طريق للحياة.

وحتى «ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ» لا يقرأها جيروم بحرفيّة حسابيّة
وهنا تظهر ضربة أخرى للتبسيط الأصوليّ. فعندما يصل إلى قول النصّ إن يونان بقي في بطن الحوت «ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ»، يقول جيروم: «سرّ هذا الموضع شرحه الربّ في الإنجيل؛ ولذلك من الزائد أن نقول الشيء نفسه، أو أن نقول شيئًا مختلفًا عمّا شرحه ذاك نفسه الذي تألّم». ثم يناقش كيف تُحسب الأيّام الثلاثة بالنسبة إلى موت المسيح وقيامته. ولا يصرّ جيروم على اثنتين وسبعين ساعةً حرفيّة كاملة، بل يستخدم قاعدة بلاغيّة معروفة هي المجاز المرسل بعلاقة الجزء والكلّ: يُحسب جزء اليوم يومًا، ويُفهم الكلّ من الجزء. أي إن جيروم، الذي عاش في القرن الرابع، كان أكثر وعيًا باللغة والبلاغة من بعض المدافعين المعاصرين عن «الحرف»، الذين قد يحوّلون الإيمان كله إلى مسألة حساب ساعات. النصّ عنده لا يُقرأ بساعة إيقاف، بل بحسب طرائق التعبير الأدبيّ والكتابيّ.

جيروم ليس رمزيًّا منفلتًا أيضًا
وهنا يلزم قدر من الدقّة. جيروم لم يكن أصوليًّا حرفيًّا، لكنه لم يكن أيضًا شخصًا يعتبر أن كلّ كلمة يمكن أن تعني أيّ شيء يخطر على بال المفسّر. فهو يحتفظ دائمًا بما يسمّيه «الأساس التاريخيّ»، ويطلب وجود ترابط بين التاريخ والرمز، ويحذّر من التفسيرات المتكلّفة ومن محاولة العثور على مقابل مسيحانيّ لكلّ تفصيلة صغيرة بلا تمييز. ولهذا ينبّه إيڤ-ماري دوڤال، محقّق النصّ وشارحه، إلى أن من الخطر أن ننظر إلى جيروم بوصفه مجرّد «مفسّر رمزيّ». فجيروم نفسه يتردّد أمام توسيع الرمز إلى جميع التفاصيل، ويعرف أن القول إن يونان يرمز إلى المسيح لا يعني بالضرورة أن كلّ حركة وكلّ نبتة وكلّ كلمة في القصّة يجب أن يكون لها مقابل مباشر في حياة يسوع.

إذًا، أمامنا طريق ثالث يختلف عن نقيضين سطحيّين:
ليس الحرفيّة التي تختزل الوحي في تقرير مادّيّ؛ وليس الرمز المنفلت الذي يلغي النصّ ويجعل المفسّر يقول ما يشاء؛
بل قراءة تبدأ من التاريخ، ثم تعبر منه إلى المسيح، وتبحث عن وحدة الكتاب ومعناه الخلاصيّ. وهذا بالضبط ما لا تفهمه الأصوليّة: أنها تتصوّر أن البديل الوحيد للحرفيّة السطحيّة هو إنكار النصّ. بينما الآباء أنفسهم يقدّمون بديلًا آخر: الإيمان بالنصّ من خلال تجاوزه إلى سرّه، لا من خلال تجميده عند سطحه.
احترام الآباء لا يكون بأن ننسب إليهم أسئلتنا الحديثة، بل بأن نسمح لهم أن يطرحوا أسئلتهم هم. ومَن يختزل شرح جيروم لسفر يونان في عبارة: «كان يؤمن بالحوت حرفيًّا»، يشبه مَن دخل كاتدرائيّة عظيمة، فترك المذبح والقبّة والأيقونات، ثم وقف يفحص نوع المسامير المستخدمة في الباب، وخرج مقتنعًا بأنه فهم المسيحيّة القديمة.

 المرجع
JÉRÔME, Commentaire sur Jonas, introduction, texte critique, traduction et commentaire par Yves-Marie Duval, Sources Chrétiennes 323, Paris: Les Éditions du Cerf, 1985، 
 الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى