كمال زاخر
السبت 1 أغسطس 2026
اشكالية المجلس الملي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجزء الأول: مشوار المجلس؛ البداية والمسار والنهاية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طالعتنا أحدي المواقع الإلكترونية مجهولة النسب، بتهكم يراني "صدعتهم" بدور العلمانيين في الكنيسة وصمتُ عن طرح رؤيتي في غياب المجلس الملي من 14 سنة، وفي أن البابا تواضروس "مطنش" و "مفيش بالتالي أي مراقبة مالية على الكنيسة والأوقاف" (ما بين الأقواس لغتهم القشيبة!!!).
وهم بهذا يؤكدون أنهم لا يقرأون إلا ما يملى عليهم، فقد تناولت اشكالية المجلس الملي؛ النشأة والمسار، وصدام كل الاباء البطاركة معه منذ البابا كيرلس الخامس في سنوات المجلس الأولى، وحتى البابا شنودة الذى نجح في تدجينه، في كتابي "العلمانيون والكنيسة" الصادر قبل نحو ثلاثة عقود، واعيد نشره هنا في جزئين متتابعين:
• مشوار المجلس؛ البداية والمسار والنهاية
• المشاركة الشعبية ـ رؤية علمانية
المجلس الملى ... من يصحح المسار ؟!
فصل من كتاب "العلمانيون والكنيسة"
الصادر عام 2009م.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشوار المجلس؛ البداية والمسار والنهاية :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت البداية عام 1872 م، حين دعا الأنبا مرقس مطران البحيرة بصفته قائمقام البطريرك وقتها بعض من شعب الكنيسة للمشاركة فى ادارة شئونها، تأسيساً على منهج الآباء الرسل تلاميذ السيد المسيح بحسب ما سجله الإنجيل المقدس فى سفر أعمال الرسل [ وفي تلك الايام اذ تكاثر التلاميذ حدث تذمر من اليونانيين على العبرانيين ان اراملهم كن يغفل عنهن في الخدمة اليومية ، فدعا الاثنا عشر جمهور التلاميذ وقالوا لا يرضي ان نترك نحن كلمة الله ونخدم موائد، فانتخبوا ايها الاخوة سبعة رجال منكم مشهودا لهم ومملوين من الروح القدس وحكمة فنقيمهم على هذه الحاجة، واما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة. (سفر أعمال الرسل فصل 2).
بلورت تلك المشاركة الحاجة إلى آلية تقننها وتنظيم يضبطها، الأمر الذى ترجم فى صدور الأمر العالى بتشكيل ما عرف بالمجلس الملى لطائفة الأقباط الأرثوذكس.
وفى 16/1 /1874 تشكل أول مجلس ملى وأنتخب بطرس باشا غالى وكيلاً له، حيث تنص لائحته على أن تكون رئاسته للبابا البطريرك، وبدأ المجلس فى إداء مهامه فى فبراير من نفس العام بعد أن اعتمد الخديوى اسماعيل تشكيله وأصدر قراره بذلك.
وفى عام 1875 يتم تجليس الأنبا كيرلس الخامس بطريركاً، والذى رأى فى صلاحيات المجلس ما يمثل إعتداءً على سلطاته كبابا وبطريرك فحل المجلس، الذى لجأ بدوره للدولة، شاكياً ومعترضاً ومستجيراً، حتى صدر الأمر العالى بتشكيل المجلس مرة أخرى فى 13 / 5 / 1883، ويعاد انتخاب بطرس باشا غالى مرة أخرى وكيلاً له ، لكن سرعان ما دب الخلاف مجدداً بين المجلس والبابا حول الإختصاصات والصلاحيات، ولعل السؤال البديهى ولماذا الصراع وعلام ؟.
ربما يتضح الأمر إذا عرفنا ـ وفقاً لنصوص لائحة المجلس ـ المهام الموكلة إليه لنجد أهمها :
• النظر فى كافة المصالح الداخلية للأقباط .
• حصر أوقاف الكنائس والأديرة والمدارس وجمع حججها ومستنداتها، وتنظيم حسابات الإيراد والمنصرف وحفظ الأرصدة .
• إدارة المدارس والمطبعة ومساعدة الفقراء .
• حصر الكنائس وقساوستها والأديرة ورهبانها والأمتعة والسجلات الموجودة بهذه الجهات .
• النظر والفصل فى منازعات الزواج والطلاق وما يتعلق بما يعرف الأن بالأحوال الشخصية للأقباط .
لكن هذه اللائحة قوبلت برفض المطارنة وعلى رأسهم البابا البطريرك وأصدروا بياناً بهذا المعنى، أكدوا فيه أن هذا المجلس يعد مخالفة للأوامر والنصوص الرسولية (سليمان شفيق،الأقباط بين الحرمان الكنسى والوطنى ص 71الطبعة الأولى 1996ـ الأمين للنشر والتوزيع . )
وشهدت أروقة الكنيسة صراعات عديدة، بين المجالس المتعاقبة والبطاركة المعاصرين لها، كانت تنتهى فى الغالب الى القطيعة بين الطرفين ، وربما يكون السبب فى هذا المناخ الثقافى الذى لا يستوعب مفهوم الإدارة وتوزيع الأدوار وفق التخصص والقدرات، بل وقبل ذلك غياب النسق الديمقراطى فى المؤسسة الكنسية ـ فى جانبها الإدارى ـ وسيطرة المفهوم السلطوى والذى يتحول فيه السلطان الأبوى إلى سلطة حاكمة تحاكى النظم السياسية الشمولية وقد تتفوق عليها، ويتعمق هذا فى غياب الفهم الصحيح لمفهوم الجسد الواحد ـ الكنيسة ـ عند كل الأطراف، ونظرة الإكيروس الإستعلائية فى مقابل غياب روح البنوة عند المدنيين .
وبعد مرور ما يقرب من مائة واربعون عاماً (1872ـ 2008) نرى أننا بحاجة ماسة وملحة للتوقف والتدبر، فقد جرت فى نهر الكنيسة والأقباط والوطن مياه كثيرة وجارفة ، وشهدت القضايا الكنسية متغيرات عديدة موضوعية ونوعية ، بعضها يرجع لطبيعة التطور الطبيعى الذى شهده المجتمع المصرى وبعضها بسبب التحولات السياسية خاصة فى حقبتى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وبعضها للتغير النوعى والكمى الذى لحق بإيرادات الكنيسة وابواب صرفها، بداية من المسمى وحتى المهام الموكلة اليها، أوجزها فى نقاط :
فى الدولة المدنية الحديثة لا يستساغ الكلام عن " ملة " لأن التأكيد عليها والتمسك بها يعنى الإنتقاص من المواطنة، والنظر للأقباط باعتبارهم طائفة لهم شأنهم المنبت الصلة بالوطن . وقد يكون من الأنسب أن يسمى المجلس الشعبى الكنسى، أو مجلس الأراخنة، بحسب التعبير الشعبى القبطى والذى يعنى حكماء ورموز الاقباط .
لقد كان الهدف من إقامة المجلس وبحسب الوضع القانونى للبلاد وقتها إدارة شئون الأقباط المتعلقة بالكنيسة وأحوالهم الشخصية ، وهو ما شهد تغيرات جذرية انقلابية قلصت منها :
ـ الغاء المحاكم الشرعية والملية : كان للمجلس الحق فى النظر فى القضايا المتعلقة بالأحوال الشخصية ـ الطلاق والنفقة والحضانة والوقف وغيرها ـ حتى صدور القانون 462 لسنة 1955 بالغاء المحاكم الشرعية والملية، واحيلت كل اختصاصاتها الى المحاكم المدنية .
ـ قانون الإصلاح الزراعى : بصدور قانون الإصلاح الزراعى والتى حجمت ملكية الأراضى الزراعية تقلصت املاك الكنيسة منها، وتولى هيئة الأوقاف القبطية مهام الإشراف على املاك الكنيسة خلق نوع من الازدواجية بين الإشراف والإدارة.
ـ المدارس القبطية : فى اطار السيطرة على منظومة التعليم عمدت حكومة الثورة الى مصادرة أو تأميم المدارس المدنية القبطية والحاقها بوزارة التربية والتعليم فخرجت من نطاق ولاية المجلس الملى .
ـ المستشفيات القبطية : فى ظل نفس السياسة تم الاستيلاء على المستشفيات القبطية ووضعها تحت سيطرة وزارة الصحة ولم يعد للمجلس أي علاقة له بها .
وعلى أرض الواقع نكتشف تحول المجلس إلى مجلس وجهاء لعلية القوم والمنفصل عن هموم الشارع القبطى، وهو ما يتأكد فى غياب دوره الفاعل فى إدارة الأزمات القبطية البينية أو مع الأخر فى المجتمع.
فلم نسمع عن أى تحرك ايجابى فى مناقشة أو تحليل أو مواجهة العديد من الإشكاليات القبطية والتى تتنامى بشكل مخيف :
مثل مشاكل العديد من الأديرة والرهبان فى القبول والخروج وتنظيم خدمتهم، والتى انتجت العديد من المشاكل والمواقف والتى تسرب بعضها إلى الإعلام وارتج معها الشارع القبطى وربما المصرى أيضاً، وكاد بعضها أن يشعل فتيل الفتنة الطائفية بعنف.
ومشاكل المحاكمات الكنسية التى تسير على غير هدى سوى المشيئة المنفردة لمن توكل إليه، وقد عصفت برموز عديدة وكادت تعصف معها باستقرار الكنيسة، وقضايا التنمية البشرية والاقتصادية بالتعاون مع رجال الأعمال لوضع خطط وبرامج لمكافحة البطالة والغائبة عن اجندة المجلس.
وغياب دور المجلس فى اختيار الاساقفة والبابا البطريرك باعتبارهم رموز الاقباط المنتخين منهم، بل لم نشهد ادنى رد فعل فى رأب الصدع فى داخل العديد من الايبارشيات التى تشهد صراعات ووشايات اطاحت بالعديد من الأساقفة وعزلهم بالاديرة رغم اعتراض اقباط هذه الإيبارشيات والأمثلة عديدة نذكر منها الأنبا ايساك ـ اسقف مساعد القليوبية، الراحل الأنبا مينا ـ مطران جرجا، الأنبا امنيوس ـ اسقف الأقصر، الأنبا متياس ـ اسقف المحلة الكبرى، الأنبا تكلا ـ اسقف دشنا.
ولم نشهد له أية تدخلات فى وقف نزيف الصدام مع العديد من الرموز العلمية فى الكنيسة مثل الراحل الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى والراحل الأب متى المسكين شيخ أباء الكنيسة، وقبلهما الراحل الأنبا صموئيل اسقف الخدمات الإجتماعية وشهيد المنصة ورائد ومؤسس كنائس المهجر، والراحل الأنبا بيمن اسقف ملوى، والدكتور جورج حبيب بباوى العالم الاهوتى.
ولم نسمع عن تحركه لكشف حقيقة موقف سكرتير المجمع بعد أن اعلنت على الملأ قوائم اتهامات محددة وخطيرة تمس صلب ضوابط منصبه الادارى والرعوى، وماذا فعل وقد انقسم الشارع القبطى بين ما يطرحه سكرتير المجمع والرد عليه من اسقف سمالوط ؟ ولسنا هنا بصدد اسناد دور لاهوتى له، لكننا نسأل عن دوره الذى يفرضه عليه إعتباره من النخبة القبطية " الأراخنة " وفى موقع إدارى وتنظيمى ورقابى قيادى .
ثم كيف يسمى مجلساً عاماً بينما انتخاباته تجرى فى العاصمة القاهرة ومن القاهريين فقط ، مرشحين وناخبين، والمجمع الانتخابى له لا يتجاوز بضع مئات من الأقباط ويتم تغيير المجمع الإنتخابى باعلان من وزارة الداخلية مع كل انتخاب، بطلبات قيد جديدة وإجراءات جديدة، كفيلة بتعميق العزوف عن المشاركة أكثر مما هو سائد. وهو بهذا لم يصل إلى نظام جمعية لأهالى حى عشوائى على أطراف القاهرة ، أين تمثيل بقية المحافظات حتى يحق له أن يصبح مجلساً عاماً ؟!! .
ومع تزايد الموارد الكنسية بشكل مذهل سواء من كنائس الداخل أو تمويلات وتبرعات كنائس المهجر فضلاً عن معونات الجهات المانحة فى الداخل والخارج ، ومع تشعب المجالات الخدمية الثقافية والإقتصادية التى تقع فى دائرة إهتمام الكنيسة، فإن الأمر يتطلب اتساع قاعدة المجلس وضمه لتخصصات فنية وكوادر ادارية للتعامل مع الواقع الجديد ، عبر قواعد قانونية محددة وواضحة وصولاً لأكبر قدر من الشفافية وتحقيقاً لأفضل استثمار اقتصادى يدعم تحقيق الأهداف الروحية للكنيسة بحسب منهج يعقوب الرسولفى تفسير معنى الإيمان العملى والتكافل الانسانى بين كل اطراف المجتمع .
[ما المنفعة يا إخوتي ان قال أحد ان له إيمانا ولكن ليس له أعمال هل يقدر الايمان أن يخلصه، إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي، فقال لهما أحدكم إمضيا بسلام إستدفئا و اشبعا و لكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة. هكذا الايمان ايضا ان لم يكن له اعمال ميت في ذاته.( فصل 2 : 14 ـ 17 )]
ومع تزايد ضغوط الحياة وأزمة الأجيال الجديدة خاصة فى بدايات تكوين الأسرة فان من المهام الواجبة على المجلس انشاء آلية لحل المشاكل الاسرية قبل تفاقمها على غرار محاكم الأسرة، وقبلها وضع منظومة تدريبية لمرحلة ما قبل الزواج بشكل واقعى يجمع بين الضوابط المسيحية الإنسانية وبين احتياجات العصر.
وعليه ففى تصورى أن تبادر الجهات المسئولة، الكنيسة (وبالتنسيق مع الجهات الرسمية التى تصدر اللائحة المنظمة لعمل واختصاصات المجلس وتشكيله)، باصدار قرار بتجميد المجلس الملى بشكل مؤقت لمدة سنة، والدعوة لوضع مشروع قانون بانشاء " المجلس الشعبى الكنسى ، أو مجلس الأراخنة " يراعى فيه تحديد اختصاصاته وطريقة تشكيله وعلاقته بالاكليروس دون تداخل أو صدام ، وذلك بعقد مؤتمر موسع يضم كل المهمومين بالشأن الكنسى وهناك أكثر من تصور مطروح الأن لعل أهمهما ما طرحه أحد رهبان
دير ابو مقار فى كتاب هام وموثق ( التدبير الإلهى فى بنيان الكنيسة ـ نحو دستور دائم للكنيسة القبطية الأرثوذكسية ـ 2001 ) ،وما طرحه الأنبا بفنوتيوس ـ أسقف سمالوط ـ مؤخراً (كتيب لائحة المجلس الإستشارى الأعلى للكنيسة القبطية .) .
فضلاً عن ما طرحه العلمانيون من مقترح فى هذا الشأن (المجلس النيابى للكنيسة القبطية الارثوذكسية . مقترح بمشروح لائحة ـ منشور بأخر هذا الفصل .).
وقد إهتمت جماعة مدارس الأحد بقضية المجلس الملى وكانت أحد أهم الموضوعات التى تم تناولها فى المجلة، وقد كان لهم منذ اللحظة الأولى موقفاً رافضاً للمجلس الملى من حيث المبدأ ومن حيث التشكيل ويعتبر عندهم مزاحماً للإكليروس، ويرون أن عمله هو تعدى على عمل الشمامسة، والشموسية واحدة من درجات الإكليروس، لكنهم مضطرون للتعامل مع هذا الكيان باعتباره أحد الأنظمة المفروضة قانوناً على الكنيسة .
هذا الموقف والذى ترجم بعدما صاروا قادة الكنيسة، بحاجة إلى دراسة متعمقةتعالج إشكالية مشاركة العلمانيين فى ادارة الكنيسة، برؤية ارثوذكسية، والتى لا تفصل طبقياً بين الإكليروس والعلمانيين بل تعتبرهما معاً " شعب الله ".
(ربما يفسر لنا معالجة البابا شنودة لهذه الجزئية، إذ بعد توليه منصب البابا، وعقب تشكيل المجلس الملى العام قام برسامة أعضاؤه شمامسة، وهو ما اعترض عليه اسقف البحث العلمى، الانبا غريغوريوس فى بحث متعلق بهذا .)
وقد حفلت مجلة مدارس الأحد بما يؤكد الموقف الرافض والمترصد للمجلس الملى، ففى تقييم المجلة لعمل المجلس تأتى إفتتاحيتها ـ يونيو 1950 ـ لتؤكد مبدأ يقول ( بأن من حق الشعب الذى انتخب اعضاء تلك المجالس أن يناقشهم الحساب، ويرى ماذا فعلوا وماذا انتجوا ).
وفى هذا السياق تقول سطور المجلة ( يؤلمنا جداً أن الناس كانوا فى انتخاب هؤلاء الأعضاء يبحثون عن الألقاب والمناصب بغض الطرف عن قداسة المرشح ومعلوماته الدينية .. وهكذا أختير صاحب السعادة وصاحب العزة، الباشا والبك، أختير النطاسى البارع والمحامى الضليع، والموظف الكبير، والثرى المعروف ... وتربع هؤلاء على كراسى العضوية، وانتزعوا لأنفسهم حق ادارة أمور خطيرة فى الكنيسة، وغالبيتهم يجهلون قوانين الكنيسة وعقائدها وطقوسها وتقاليدها، ولا يعتمدون إلا على اللوائح والقوانين المدنية التى يبررون بها وجودهم، أما الأقلية التى كانت بينهم تعرف وتفهم فقد قاست وتألمت وأضطهدت.
وفى تحليل يكشف جانب من جوانب أزمة مجموعة مدارس الأحد تلك تؤكد المجلة فى هذا الصدد ( قلنا أن المجلس الملى بصورته الحالية ليس له أساس من تعاليم الكتاب أو قوانين الكنيسة وإنما هو وضع عالمى بحت يستند فى قوته إلى القوانين المدنية، وقلنا ايضاً أن غالبية أعضاء المجالس السابقة لم يرشحهم لعضويتهم نبوغ فى المعرفة الدينية، وانما رشحتهم ألقابهم ووظائفهم العالمية، كان طبيعياً بعد كل هذا أن تنتشر الروح المدنية فى كل أمور الكنيسة لأن المليين لا يملكون غيرها، وهكذا وجدنا تعاليم الكتاب وقوانين الكنيسة تنسحب تدريجياً من الميدان وتحل محلها تشريعات مدنية فيها الإهتمام كله بالمادة وليس بالروح ..)
والقراءة المدققة لتلك السطور تكشف عن توجه سلفى لا ينظر للبعد المدنى فى الكنيسة، بل وينظر إلى هذا البعد بريبة ، فهى عندهم مجموعة من النصوص والرؤى الجامدة بالمخالفة للمنهج الأرثوذكسى المعتدل، وتأتى معارضة الانبا غريغوريوس لرسامة اعضاء المجلس شمامسة ـ فى مرحلة لاحقة ـ لتكشف انقساماً فى بعض توجهات المجموعة .
ولعل هذا يفسر لنا حرص القيادة الكنسية، التى تشكلت من شباب هذه المجموعة، على تفريغ الدور العلمانى من مضمونه، وتكتيل كل الصلاحيات فى يد الأسقف وحده، وتحول العلمانيون إلى منفذين لرؤية وقرارات الأسقف، سواء فى مجالس الكنائس أو فى المجالس الملية الفرعية، أما المجلس الملى العام فقد مر بمرحلتين فى العصر الحديث الذى شهد دخول شباب مدارس الأحد فى دائرة القيادة، منذ لحظة اختيارهم ضمن طاقم سكرتارية البابا كيرلس السادس ثم أساقفة عموميين، فقد تم تجميد المجلس فى ذلك العهد باتفاق مع القيادة السياسية وقتها.
ثم وبحنكة سياسية وادارية أعيد تشكيل المجلس الملى فى عهد البابا شنودة الثالث بحيث يبدو الشكل مكتملاً ، وساعد على ذلك عدة عوامل؛ المناخ المحتقن طائفياً الذى دفع الأقباط للإلتفاف حول الكنيسة ممثلة فى قيادتها ، الإنفتاح الإعلامى وسيطرته على ذهنية المتلقى والذى قابله قدرة البابا شنودة على مخاطبة الجماهير بلغتهم فطوع آليات الإعلام فى التواصل مع القاعدة العريضة من شريحة المتدينين.
ولعل هذا يتأكد من اهتمام البابا وحرصه على اعادة اصدار مجلة الكرازة والتى تحولت فى اصدارها الثانى إلى ما يشبه الجريدة الرسمية للكنيسة تحمل اخبار قداسته وتحركاته ومقابلاته وتحمل العديد من الرسائل المراد توصيلها للقارئ، أو ربما لجهات أخرى، مع اهتمام قداسته على استمرار اجتماعه الأسبوعى ( الجمعة ثم الأربعاء ) والتواصل من خلاله مع الحضور عبر فقرة الأسئلة التى تسبق المحاضرة الرئيسية.
وهو اهتمام يمكن ملاحظته فى حرص قداسته على أن تكون عودته من رحالاته الخارجية موافقة ليوم الثلاثاء، وعلى اقصى تقدير صباح الأربعاء، حتى يلحق بالإجتماع الإسبوعى، وارتباط هذا الإجتماع بشخصه بحيث يتوقف حال غيابه لأسباب قهرية ، وهو الأمر الذى إنسحب على الإجتماعات الشهيرة المرتبطة بأسماء بعينها فى كثير من الكنائس .
إضافة إلى عاملى الإحتقان وشعبية البابا ، يأتى عامل ثالث وهو ضعف الإهتمام الشعبى الحقيقى بانتخابات المجلس الملى، ويرجع ذلك إلى غياب ثقافة المشاركة فى الشأن العام ـ على المستوى الكنسى أو الوطنى ـ وهى سمة عامة لقاعدة العريضة من المصريين والأقباط جزء منها، ويدعمه تعقيدات القيد المتكرر فى كشوف الناخبين، فضلاَ عن هلامية دور المجلس بعد التقليص المستمر لدوره وصلاحياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[ بدأ التقليص منذ سنواته الأولى عقب المصادمات التى وقعت بين المجلس والبابا كيرلس الخامس والذى رأى فى المجلس اعتداء على صلاحيات البابا ، فاعترض البابا لدى الحكومة بأنه مجلس مخالف للحكومة ، فتقرر أن تبقى أوقاف الأديرة تحت اشراف البطريركية ، وأن تكون رئاسة المجلس حال غياب البطريرك لمن ينيبه من رجال الدين ، وللبطريرك الحق فى تعيين ثلث المجلس بغير انتخاب ، وعاد البطريرك ليرفض هذه التعديلات ويعود للصدام . للمزيد كتاب الأقباط بين الحرمان الكنسى والوطنى ـ سليمان شفيق ـ الأمين للنشر والتوزيع .ومع قيام ثورة يوليو وتبنيها التوجه الإشتراكى تتقلص عملياً صلاحيات المجلس بصدور قانون الإصلاح الزراعى وتحديد الملكية الزراعية ، ومصادرة المدارس القبطية ووضعها تحت ادارة وزارة التعليم وكذلك مصادرة المستشفيات القبطية واحالتها لإشراف وادارة وزارة الصحة ، فضلاً عن انشاء هيئة الأوقاف القبطية التى صارت المسئولة عن ادارة الأوقاف القبطية ، وسبق كل هذا صدور القانون 264 لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية والملية والغاء حق المجلس فى الفصل فى قضايا الأحوال الشخصية بعد احالتها للقضاء المدنى . فماذا تبقى للمجلس الملى ؟! .]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفرت هذه العوامل والتى تسير فى اتجاه رؤية جماعة شباب مدارس الأحد ـ قادة اليوم ـ بعدم شرعية هذا المجلس كنسياً، ولكن تبقى أمامهم مشكلة قانونية، وهى أن هذا المجلس مقرر بقانون، ولا يمكن بغير رضاء القيادة السياسية تجميده كما حدث قبلاً ( كيرلس ـ ناصر ).
فكان المخرج ترتيب قائمة تضم من ترى القيادة فيهم أهلاً للثقة والولاء، ودفعهم للترشيح، وتقديمها للناخبين والإيعاز لهم، من فوق منابر الكنائس، بأن هؤلاء هم ابناء البابا وعلى كل من يحبه ولا يريد المجئ بمن يعارضه أن ينتخبهم، حتى لا تعاق الخدمة، وتنتهى التوجيهات بأن [إبن الطاعة تحل عليه البركة] ! ، وقد أعلن البابا فى أكثر من تصريح أنه لا علاقة له بأية قوائم، وأن للناخب الحق فى اختيار من يريد، ونحن نثق فى صدقه، وهنا يكون السؤال من يقف وراء تعليمات المنابر ؟.
ووفقاً لهذا التخريج تتحقق المعادلة الصعبة فيكون لدينا مجلساً وفق الإلزام القانونى لكنه منزوع الفاعلية بفعل سحب صلاحياته وبفعل الإختيار الدقيق بحسب ولاءات شخوصه ، وتنتهى المصادمة المتوارثة لصالح الإكليروس، لتفقد الكنيسة ومن ثم الوطن رافداً هاماً كان من المتوقع أن يصب فى دعم التوجه الديمقراطى.
وتتعمق الأزمة فى وجود قيادة كاريزمية وفى ظرف تاريخى محتقن يستشعر فيه الأقباط أخطاراً تهدد وجودهم بشكل أو بأخر، وكانت الكنيسة البديل المتاح ـ وغير بعيد يدعم التكوين النوعى لمجمع الأساقفة تكتيل السلطة فى يد البابا، خاصة وأن غالبية أعضاءه تم اختيارهم ورسامتهم عن طريق البابا بشكل مباشر، الأمر الذى تم فيه الخلط بين مهام الوظيفة وبين الولاء، وكان عامل صغر السن على خلفية الإختيار لهم ولانحيازهم للولاء المشخصن .
والقراءة المتأنية للمجلس الملى بعد عودته من حالة التجميد فى حبرية البابا كيرلس السادس، تكشف أن الملاحظات التى كانت تؤرق شباب مدارس الأحد والتى أعلنوها على صفحات مجلتهم كما أوضحنا (يونيو 1950 ) مازالت قائمة ، بل أضيف إليها ـ بعد أن صار مجلس وجهاء ـ أنه يعد، خاصة عند قطاع رجال الأعمال، المعبر الذهبى والباب الملكى لموقع سياسى، باعتبارهم رجال البابا فى لعبة التوازنات، وغالباً يكون هذا الموقع مطلوباً فقط لتأكيد الوجاهة الإجتماعية، وإن كان هذا لا ينفى وجود كوادر وشخصيات فيه لها ثقلها فى مواقعها المدنية، ولها دورها المشارك فى الحياة العامة .
ربما لهذا كان سعى العلمانيين للدفع فى اتجاه إعادة إحياء المشاركة الشعبية فى إدارة الكنيسة، وفى إعادة التوازن بين الإكليروس والعلمانيين، بحسب التقليد الأرثوذكسى .





