د.ماجد عزت إسرائيل
تحل في الثالث من أغسطس/آب 2026 الذكرى الثالثة بعد المائة لميلاد قداسة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ117، الذي امتدت حبريته من عام 1971 حتى نياحته عام 2012، وظل واحدًا من أبرز الرموز الدينية والوطنية في تاريخ مصر الحديث.
وُلد البابا شنودة الثالث، واسمه قبل الرهبنة نظير جيد روفائيل، في 3 أغسطس/آب 1923 بقرية سلام التابعة لمحافظة أسيوط. وتنقّل في طفولته بين عدد من المدن المصرية بحكم عمل شقيقه الأكبر روفائيل جيد، الذي تولّى رعايته بعد رحيل والديه. والتحق بمدرسة الإيمان الثانوية بشبرا، ثم درس في كلية الآداب، قسم التاريخ، بجامعة الملك فؤاد الأول – جامعة القاهرة حاليًا – وتخرّج فيها عام 1947. وفي العام نفسه، تخرّج في سلاح الاحتياط بالقوات المسلحة المصرية، قبل أن يعمل في مجال التدريس ويلتحق بالكلية الإكليريكية.
البابا الجندي
لم تكن علاقة البابا شنودة الثالث بالقوات المسلحة المصرية علاقة رسمية مرتبطة بمنصبه البطريركي فقط، بل بدأت منذ شبابه، حين تلقّى تدريبه العسكري وانضم إلى قوات الاحتياط. وقد ظل يحمل طوال حياته تقديرًا خاصًا للجندية المصرية، وإيمانًا عميقًا بدور الجيش في حماية الوطن وصون وحدته.
وتجلّت هذه العلاقة بصورة واضحة خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حين عقد قداسته اجتماعات مع الكهنة والهيئات القبطية، داعيًا إلى دعم المجهود الحربي والمشاركة في مساندة الدولة والجنود. كما شكّل لجنة للإعلام الخارجي لمخاطبة الرأي العام العالمي وشرح موقف مصر وقضيتها العادلة.
ولم يكتفِ البابا شنودة بالدعم المعنوي، بل زار جرحى القوات المسلحة في المستشفيات، مقدّمًا لهم المحبة والتقدير، من دون تفرقة بين مسلم ومسيحي، ومؤكدًا أن أبناء القوات المسلحة جميعهم أبناء للوطن الواحد.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 1973 زار عددًا من مصابي الحرب، ثم زار مدينة السويس في 24 مارس/آذار 1974، حيث صلى في كنيسة السيدة العذراء، والتقى قيادات الجيش الثالث، وزار خط بارليف وقبر الجندي المجهول، تقديرًا لتضحيات أبطال القوات المسلحة وانتصارهم التاريخي.
مواقف وطنية لم تنسها القوات المسلحة
ظلت مواقف البابا شنودة الوطنية حاضرة في ذاكرة القوات المسلحة المصرية. وبعد نياحته في 17 مارس/آذار 2012، نعاه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، واصفًا إياه بأنه أحد الرموز الوطنية المصرية التي تفانت في العطاء من أجل الوطن، وعملت على الحفاظ على وحدة النسيج الوطني.
كما صدّق المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة آنذاك، على إعلان الحداد العام في جمهورية مصر العربية يوم الثلاثاء 20 مارس/آذار 2012، تكريمًا لقداسة البابا شنودة الثالث وتقديرًا لمكانته الدينية والوطنية.
وعكست مشاركة قيادات القوات المسلحة في مراسم الوداع، ونقل جثمانه بطائرة عسكرية إلى دير القديس الأنبا بيشوي بوادي النطرون، عمق التقدير الذي حظي به البابا الراحل لدى المؤسسة العسكرية المصرية والشعب المصري بأكمله.
لقد كان البابا شنودة الثالث رجل دين وطنيًا من طراز فريد؛ أحب مصر وجيشها وشعبها، وجسّد طوال حياته عبارته الخالدة:
«مصر ليست وطنًا نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا».





