من سؤال المواطنة إلى نقد التمثيل الطائفي
قراءةٌ في المثقف القبطي والدولة والكنيسة في وطنٍ متغيّر


الكسندر سابا
في تاريخ الفكر المصري الحديث طرازان من الكتابة عن المسألة القبطية: طرازٌ ينشأ داخل أسوار الجماعة، فيكتب عنها بلغة الدفاع والاحتماء، ويقيس صواب القول بمقدار خدمته للمؤسسة؛ وطرازٌ يخرج بالمسألة من دائرة الطائفة إلى فضاء الدولة، فيجعل من القبطي سؤالًا وطنيًّا لا همًّا مذهبيًّا، ومن الكنيسة موضوعًا للتحليل التاريخي والمؤسسي، لا مرجعًا نهائيًّا للحكم في الشأن العام.

ينتمي غالي شكري إلى هذا الطراز الثاني انتماءً صريحًا. ولذلك يُعَدّ من أبرز الأسماء التي ينبغي أن يحتلها مشروع الفكر القبطي المدني الحديث في صلبه، لا على هامشه؛ إذ لم يكتب عن الأقباط من موقع المحامي عن جماعته، ولا من موقع الخصم لمؤسستها الدينية، بل من موقع المفكر الذي رأى أن مصير الجماعة القبطية معلَّق بمصير الدولة الوطنية نفسها: بسؤال المواطنة، وسؤال السلطة، وسؤال الطائفية، وسؤال التحول الاجتماعي.

لم تكن «المسألة القبطية» عنده شأنًا كنسيًّا داخليًّا، ولا ملفًّا خاصًّا بأقلية دينية تطالب ببعض الحقوق الجزئية، بل امتحانًا كاشفًا لطبيعة الدولة المصرية الحديثة: هل استطاعت أن تنتقل من منطق الرعية والطائفة إلى منطق المواطن المتساوي، أم أنها أعادت إنتاج الجماعات الدينية داخل أبنية سياسية وإدارية مغلقة، بحيث يكون الفرد مواطنًا في نصوص الدستور، لكنه يظل في الواقع تابعًا لجماعته، ممثَّلًا بواسطة قيادتها الدينية؟

من هنا تكتسب قراءة غالي شكري للأقباط ولعلاقة الكنيسة بالدولة أهميتها. فهو لم ينظر إلى الأقباط من خارج تجربتهم التاريخية، ولم يكتب عنهم بمنطق الباحث البارد المنفصل عن موضوعه؛ لكنه، في الوقت نفسه، لم يقبل أن تتحول الهوية القبطية إلى قوقعة معرفية، أو إلى وطن بديل من الوطن. كان قبطيَّ المنشأ، مصريَّ التكوين، عربيَّ الثقافة، مدنيَّ الرؤية السياسية؛ ولذلك جاءت كتابته واقفة عند الحد الفاصل بين الانتماء والنقد، وبين الذاكرة الدينية والمواطنة، وبين احترام المؤسسة ورفض تأبيد وصايتها على المجال العام.

 المثقف القبطي خارج أسوار الطائفة
وُلد غالي شكري سنة ١٩٣٥ في أسرة قبطية، وتكوَّن تكوينًا جمع بين النقد الأدبي وتاريخ الأفكار والعلوم الاجتماعية. ثم واصل دراساته في فرنسا، ونال الدكتوراه من جامعة السوربون بإشراف جاك بيرك، أحد أبرز دارسي المجتمعات العربية في الأكاديمية الفرنسية.

وقد ترك هذا التكوين أثره الواضح في منهجه؛ إذ لم يكن يتعامل مع النصوص بوصفها أبنية لغوية مكتفية بذاتها، بل كان يقرأها في تربتها الاجتماعية والتاريخية، ويرى في الأدب والفكر مرآةً لصراع القوى، وتحولات الطبقات، وبنية السلطة، وأزمات الوعي الجمعي. لذلك لم يكن نقده الأدبي منفصلًا عن نقد المجتمع، ولا بحثه في الثقافة بعيدًا عن مساءلة الدولة.

قضى شطرًا من مساره خارج مصر، ثم عاد ليتولى رئاسة تحرير مجلة «القاهرة»، وجعل منها منبرًا للفكر النقدي، قبل أن يُتوَّج مساره بجائزة الدولة التقديرية سنة ١٩٩٦. وكان ذلك، في دلالته الرمزية، اعترافًا متأخرًا من مؤسسات دولة طالما نقدها بأن الرجل كان من ضمير ثقافتها، لا من خصومها.

وتتصل مؤلفاته بمشروعنا اتصال الشاهد بالقضية. ففي كتاب **«الأقباط في وطن متغيّر»** وضع المسألة القبطية على مشرحة التحليل الاجتماعي والسياسي، وربط بينها وبين تغير بنية الدولة المصرية. وفي **«الثورة المضادة في مصر»** تابع تحولات المجتمع بعد الحقبة الناصرية وما رافقها من ارتداد سياسي وثقافي وصعود للنزعات الدينية المغلقة. وفي **«النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث»** تتبع مصائر مشروع التنوير المصري، بينما واجه في **«عروبة مصر وامتحان التاريخ»** سؤال الهوية الجامعة التي يكون القبطي فيها شريك تأسيس، لا ضيف إقامة.

ليست هذه العناوين متجاورةً جوار اتفاق، بل يشدها خيط منهجي واحد: أن أزمة الأقباط ليست أزمة قبطية منعزلة، بل عَرَض من أعراض أزمة الدولة الوطنية حين تتعثر في بناء المواطنة، وتضيق فيها دوائر المشاركة، ويتراجع فيها القانون لصالح الوساطات الدينية والأمنية.

 القبطي الذي لم يجعل قبطيته سجنًا
تكمن خصوصية غالي شكري في أنه لم يتعامل مع قبطيته باعتبارها بطاقة دفاعية يحملها في مواجهة المجتمع، ولا باعتبارها تفصيلًا ينبغي محوه حتى يثبت وطنيته. ظل واعيًا بذاكرته القبطية، لكنه رفض أن تصبح هذه الذاكرة جدارًا يفصل القبطي عن التاريخ المصري العام.

كان، بهذا المعنى، نقيضًا لنموذجين متقابلين: نموذج الانغلاق الطائفي الذي يجعل الهوية الدينية وطنًا بديلًا، ونموذج الذوبان الذي يطلب من الفرد إنكار خصوصيته حتى يعترف المجتمع بمصريته. فقد رأى أن المواطنة لا تقوم على محو الفروق، بل على تحريرها من التراتب السياسي والقانوني.

فالقبطي لا يصير مصريًّا حين يتنازل عن ذاكرته، بل حين لا تتحول هذه الذاكرة إلى سبب للتمييز ضده، أو إلى جهاز وسيط بينه وبين الدولة. كما أن الدولة لا تصبح مدنية حين تنكر الدين، بل حين لا تجعل الانتماء الديني معيارًا للحقوق أو بوابةً إلى المواطنة.

ولذلك لم يكتب غالي شكري عن الأقباط بلغة الجماعة المنغلقة على جرحها، وإنما نقل السؤال من مستوى الشكوى الطائفية إلى مستوى نقد الدولة والمجتمع: ما الذي يجعل جماعةً كاملة تحتاج إلى مؤسسة دينية كي تتكلم باسمها؟ وما الذي يجعل مواطنًا لا يصل إلى دولته إلا عبر الأسقف أو البطريرك؟ وهل حماية الجماعة بهذه الصورة علاج لأزمتها، أم تثبيت لها داخل البنية التي صنعت الأزمة؟

 الكنيسة بوصفها ملجأً تاريخيًّا
لم ينكر غالي شكري الدور التاريخي الذي قامت به الكنيسة القبطية في حماية الجماعة وصيانة ذاكرتها. فالكنيسة لم تكن في التاريخ القبطي مؤسسة عبادية فحسب، بل كانت أيضًا مستودع اللغة والطقس والذاكرة والتضامن الاجتماعي. وفي مراحل الاضطهاد أو التهميش، لم يجد القبطي مؤسسةً أقرب إليه من الكنيسة، ولا سلطةً تتكلم باسمه سوى قيادته الدينية.

غير أن المؤسسة التي تحمي الجماعة في زمن الضعف قد تتحول، دون قصد، إلى الإطار الوحيد الذي تُعرَّف الجماعة من خلاله. وهنا ينشأ التوتر البنيوي الذي التقطه غالي شكري: كلما ضعفت الأحزاب والنقابات والبرلمان ومؤسسات المجتمع المدني، ازداد اعتماد القبطي على الكنيسة؛ وكلما ازداد هذا الاعتماد، تعاملت الدولة مع الكنيسة باعتبارها الممثل السياسي والاجتماعي للأقباط.

وهكذا تتكون دائرة مغلقة: الدولة لا ترى مواطنين أقباطًا أفرادًا، بل ترى جماعة يمثلها البطريرك؛ والأقباط، بسبب ضعف الثقة في الدولة، يطلبون الحماية من الكنيسة؛ والكنيسة، لأنها تجد نفسها مسؤولة فعليًّا عن أمن الجماعة وحقوقها، تتوسع في أداء أدوار لم تنشأ بوصفها مؤسسةً روحية لكي تؤديها.

لا يجوز اختزال هذه العملية في اتهام الكنيسة بالطموح إلى السلطة، كما لا يصح إعفاؤها من مساءلة نتائجها. إنها حصيلة تفاعل تاريخي بين انسداد المجال العام، وضعف التمثيل السياسي، والخوف الطائفي، والحاجة النفسية إلى مظلة جامعة. فالفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغًا، بل تملؤه المؤسسة الأقدر على جمع الجماعة والتحدث باسمها.

 حوار ١٩٨٨: المستحيل الممكن
في أواخر سنة ١٩٨٨ أجرى غالي شكري حوارًا مطولًا مع البابا شنودة الثالث، أدرج أجزاء منه في كتابه **«الأقباط في وطن متغيّر»**. ويستحق هذا الحوار أن يُقرأ لا باعتباره مادةً صحفية عابرة، بل بوصفه نموذجًا نادرًا لما يمكن تسميته **«الحوار المستحيل الممكن»**: حوارًا بين عقلين كبيرين ينطلق كل منهما من وظيفة تاريخية ونفسية مختلفة، دون أن يتحول الاختلاف إلى إلغاء متبادل.

كان أحد الطرفين بطريركًا مؤسسيًّا يحمل همّ البقاء والصيانة، ويتكلم من داخل كنيسة خبرت الاضطهاد، وتراكم في ذاكرتها الخوف من الذوبان والتهميش. وكان الطرف الآخر مثقفًا نقديًّا يرفض الاكتفاء بالسلامة المؤقتة إذا كان ثمنها تأجيل السؤال البنيوي المتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع.

لم يكن اللقاء إذن بين مؤمن وخصم للإيمان، ولا بين مدافع عن الأقباط ومتهاون في حقوقهم؛ بل بين عقل راعٍ يزن النتائج بمقياس الضرورة المباشرة، وعقل مثقف يزنها بمقياس المستقبل الاستراتيجي. كان الأول يسأل: كيف نحمي الجماعة الآن؟ وكان الثاني يسأل: كيف نبني نظامًا لا تعود فيه الجماعة محتاجةً إلى هذه الحماية الاستثنائية؟

ومن هنا تتجلى فرادة الحوار. فالراعي لا يستطيع أن يعيش في المستقبل وحده، لأن أمامه جراحًا راهنة وأفرادًا مهددين ومسؤولية لا تحتمل التأجيل. والمثقف لا يستطيع أن يكتفي بالحاضر، لأن كل حماية مؤقتة قد تتحول، إن لم تُنقد، إلى بنية دائمة تعيد إنتاج الخوف الذي نشأت لمواجهته.

كان حوار ١٩٨٨، بهذا المعنى، لقاءً بين زمنين نفسيين: زمن الخطر الذي يطلب التحصين، وزمن التاريخ الذي يطلب التحول. ولم يكن التوتر بينهما دليلًا على فشل الحوار، بل كان هو مادته الأخصب.

 البابا شنودة: الراعي الذي حمل عبء الجماعة
لا يمكن فهم موقف غالي شكري من البابا شنودة الثالث من خلال ثنائية الإعجاب والرفض. فقد كان واعيًا بأن البابا لم يصنع الأزمة القبطية، بل ورث جماعةً وجدت نفسها، في مراحل كثيرة، بلا تمثيل سياسي فعال، وفي مواجهة دولة تتأرجح بين الاحتواء الأمني والتفاوض الطائفي.

كان البابا ينظر إلى القضية من داخل مسؤولية الرعاية. أمامه اعتداءات وتمييز وتراجع في تمثيل الأقباط وتصاعد لخطاب ديني إقصائي؛ ولم يكن الراعي يستطيع أن يكتفي بمحاضرة نظرية في المواطنة. كان عليه أن يحمي شعبه، ويخاطب الدولة، ويحتوي الغضب، ويمنع الخوف من التحول إلى انفجار أو عزلة.

أما غالي شكري فكان ينظر إلى البنية الأبعد: ماذا يحدث حين تصبح حماية الأقباط من اختصاص الكنيسة بدلًا من أن تكون من وظائف الدولة والقانون؟ وماذا يحدث حين تُختزل الجماعة في القيادة الدينية، ويُختزل المواطن في انتمائه الطائفي؟

لم يكن الخلاف إذن بين من يحب الأقباط ومن يعاديهم، بل بين مستويين من النظر: مستوى الحماية العاجلة، ومستوى التحرر التاريخي؛ بين إدارة الأزمة، وتغيير الشروط التي تعيد إنتاجها؛ بين راعٍ يرى الجرح المفتوح ويسعى إلى وقف النزيف، ومثقف يسأل عن النظام الذي يجعل الجرح يتكرر.

من الفراغ السياسي إلى احتكار التمثيل
لرؤية البابا منطقها التاريخي الذي لا يستقيم التحليل بإغفاله. فقد ورث شنودة الثالث كنيسةً تصاعد دورها الجامع في ظل انسداد المجال السياسي بعد سنة ١٩٥٢، وانحسار قنوات التمثيل المدني التي كان القبطي يشارك من خلالها في الحقبة الليبرالية حزبيًّا وبرلمانيًّا.

فلما ضاقت أبواب الدولة، اتسعت أبواب الكنيسة. وتحول البطريرك تدريجيًّا من رأس روحي إلى مرجعية جامعة يُطلب عندها ما كان ينبغي أن يُطلب لدى الدولة: الحماية، والوساطة، والدفاع عن الحقوق، والتحدث باسم الجماعة.

لم يكن هذا التحول اختراعًا شخصيًّا، بل ملئًا لفراغ صنعته السياسة. غير أن ملء الفراغ قد ينقلب مع الزمن إلى بنية راسخة؛ فتتوسع الرعاية حتى تقترب من الوصاية، وتتحول الحماية إلى احتكار للتمثيل، ويصبح الطريق بين القبطي والدولة مارًّا، بحكم العرف السياسي، عبر المؤسسة الكنسية.

في مواجهة هذا البناء وقف غالي شكري موقفًا دقيقًا ينبغي تحريره من سوء الفهم. فهو لم يجادل في المكانة الروحية للكنيسة، ولا في حقها التاريخي في حفظ الإيمان والذاكرة، وإنما اعترض على انتقالها من تمثيل ديني مشروع إلى تمثيل سياسي شبه حصري للأقباط.

ورأى في هذا الانتقال خسارة مزدوجة: خسارةً للكنيسة التي تُستنزف روحيًّا حين تتورط في وظائف ليست من طبيعتها الأصلية، وخسارةً للقبطي الذي يُختزل وجوده المدني في انتمائه الديني، فيغدو في نظر الدولة رعيّةً تُدار من خلال وسيط، لا مواطنًا تخاطبه الدولة مباشرةً ويحاسبها أمام القانون.
 
الدولة التي صنعت الوسيط الديني
من الخطأ تحميل الكنيسة وحدها مسؤولية تضخم دورها العام. فالدولة المصرية، ولا سيما في العقود التي ضعفت فيها السياسة وتراجعت الأحزاب والنقابات، أسهمت في تحويل المؤسسات الدينية إلى وسطاء بينها وبين المواطنين.

فبدلًا من أن تتعامل الدولة مع المسلم والقبطي بوصفهما مواطنين متساويين، تعاملت معهما في أحيان كثيرة من خلال شيوخهما وقساوستهما وأساقفتهما. وبدلًا من أن تكون المشكلة الطائفية شأنًا قانونيًّا وسياسيًّا، صارت تُدار عبر الاتصالات الأمنية، وجلسات المصالحة، والتفاهمات بين القيادات الدينية.

بهذا المعنى، لا تكون الطائفية مجرد كراهية متبادلة بين أتباع دينين، بل نظامًا غير معلن لإدارة المجتمع: تقسيم المواطنين بحسب الانتماء الديني، ثم إسناد تمثيل كل جماعة إلى قيادتها الروحية.

وقد أدرك غالي شكري أن الدولة الأمنية شريك كامل في إنتاج هذا الاختزال؛ إذ يريحها أن تختصر ملايين المواطنين في مخاطَب واحد. وهكذا تتبادل الوصايتان، الكنسية والأمنية، اعترافًا ضمنيًّا يقوم على إخلاء المجال المدني من فاعليه: لا أحزاب قوية، ولا جمعيات مستقلة، ولا مواطنون يتحدثون بأصواتهم المتعددة؛ بل مؤسسة دينية تتفاوض مع جهاز الدولة نيابةً عن جماعة كاملة.

وتصبح المؤسسة الدينية في هذا الوضع قويةً وضعيفةً في آن واحد: قويةً لأنها تتحدث باسم الملايين، وضعيفةً لأنها تتحمل أعباء ليست من طبيعتها، وتجد نفسها مسؤولة عن السكن والعمل والأمن والتمثيل السياسي، لا عن العبادة والرعاية والتعليم الروحي فحسب.

 مغالطة تحويل النقد المؤسسي إلى عداء للإيمان
من هنا وجب التنبيه إلى أن ردَّ نقد التمثيل الطائفي إلى عداء للإيمان أو تنكر للأصل ليس جوابًا عن القضية المطروحة، بل صورة من صور مغالطة إبدال الموضوع، أو **ignoratio elenchi**؛ إذ تُستبدل بالدعوى الأصلية، وهي دعوى سياسية ومؤسسية، دعوى أخرى لم يقلها صاحبها، حتى يسهل هدمها.

غالي شكري لم يكن يناقش صحة العقيدة المسيحية، ولا مشروعية الكنيسة روحيًّا، ولا مكانة البطريرك داخلها. كان يناقش حدود تحول المؤسسة الروحية إلى ممثل سياسي لجماعة كاملة.

والرجل الذي كتب **«عروبة مصر وامتحان التاريخ»** لم يكن منكرًا لجذوره، كما أن الناقد الذي حاور البطريرك باحترام الندّ للندّ لم يكن خصمًا للكنيسة. كان خصمًا لتصور بعينه عن وظيفتها، رأى أنه يضر بها قبل أن يضر بغيرها.

فعلمانيته، أو مدنيته السياسية، لم تكن إنكارًا للدين، بل محاولة لتنظيم العلاقة بين المقدس والسياسي، بحيث لا تستخدم الدولة الدين للتمييز، ولا تضطر المؤسسة الدينية إلى التحول إلى دولة داخل الدولة. كان اعتراضه موجَّهًا إلى التسييس الطائفي، لا إلى الإيمان؛ وإلى احتكار التمثيل، لا إلى حق الكنيسة في التعبير؛ وإلى الخلط بين الرعاية الروحية والوكالة السياسية، لا إلى المكانة التاريخية للكنيسة.

 الأبوة والحماية: قراءة نفسية مؤسسية
يمكن للتحليل النفسي المؤسسي أن يضيء طبقة أعمق من هذا الجدل. فالجماعة التي تشعر بالتهديد تميل، بمنطق الاقتصاد النفسي الجمعي، إلى الالتفاف حول صورة الأب الحامي. وكلما اشتد الخطر، ازدادت حاجتها إلى الوحدة، والطاعة، وتقليل الاختلاف الداخلي، وتفويض المركز الرمزي كي يتكلم باسمها.

يحمل البطريرك في المخيال القبطي صورة الأب. والأبوة هنا ليست لقبًا شعائريًّا فحسب، بل رابطة نفسية وتاريخية تتضاعف قوتها في أزمنة الخوف. ولهذا احتل البابا شنودة مكانة استثنائية في الوجدان القبطي؛ إذ لم يكن بالنسبة إلى قطاعات واسعة مجرد رئيس للكنيسة، بل رمزًا للكرامة القبطية، وصوتًا في مواجهة الدولة، وضامنًا لوحدة الجماعة.

غير أن الأبوة الرمزية، حين تمتد من المجال الروحي إلى المجال السياسي، تطرح إشكالًا في مفهوم المواطنة. فالمواطن البالغ لا ينبغي أن يحتاج إلى أب يتفاوض نيابةً عنه مع الدولة، بل إلى قانون يضمن حقه في مواجهتها. وحين يعجز القانون عن أداء هذه الوظيفة، يعود الفرد والجماعة نفسيًّا إلى وضع الابن المحتاج إلى حماية الأب.

وهذا النكوص مفهوم في لحظات الخوف، لكنه إذا تأبد تحول إلى بنية نفسية جماعية تدفع الأجيال ثمنها. وثمن الحماية هنا هو تأبيد القصور المدني: بقاء الجماعة في حال من لا يستعمل إرادته السياسية إلا من خلال وصي.

لم يكن غالي شكري يطالب بنزع الحماية عن الجماعة وتركها في العراء، بل بنقل الضمانة من الوسيط إلى القانون، ومن شخص الحامي إلى بنية الدولة المدنية. فالمواطنة عنده ليست بديلًا عن الإيمان، بل الشرط الذي يتحرر فيه الإيمان نفسه من أعباء سياسية تثقله وتشوّه رسالته.

 اقتصادان للحماية
يتبين من ذلك أن الجدل بين رؤية البابا شنودة ورؤية غالي شكري ليس صراعًا بسيطًا بين الإيمان والعلمانية، بل تقابل بين اقتصادين للحماية.

الأول حماية بالاحتواء: تجمع الكنيسة أبناءها داخل السور، وتفاوض الدولة باسمهم، وتحاول صيانة الجماعة من الأخطار المباشرة. وهذا النموذج واقعي في المدى القصير، ولا سيما حين تكون الدولة عاجزة أو متحيزة؛ لكنه يكرس العزلة، ويغري الدولة بالتنصل من واجبها المباشر تجاه مواطنيها، ويجعل الحقوق رهينةً لعلاقة القيادة الدينية بالسلطة السياسية.

أما الثاني فهو حماية بالإدماج: فتح السور، ورد الفرد إلى المجال العام، وبناء دولة قانون لا يحتاج فيها المواطن إلى وسيط ديني كي ينال حقه. وهذا هو الأفق الصحيح من الناحية الدستورية، لكنه يفترض دولة لم تكتمل بعد، ولم تثبت دائمًا أهليتها للضمان.

ولكل من الاقتصادين وجاهته وثمنه. وفضيلة الحوار بين غالي شكري والبابا شنودة أنه أظهر الرؤيتين في تماسّهما الحي، لا في تجريدهما النظري: بطريرك يتكلم من ذاكرة الاضطهاد ومسؤولية الرعاية، ومثقف يتكلم من أفق المستقبل ومسؤولية النقد.

 الاختلاف داخل الجماعة ليس خيانةً لها
حين تشعر جماعة بالخطر، تميل إلى اعتبار النقد الداخلي تهديدًا لوحدتها. ويصبح الاعتراض على أداء المؤسسة اعتراضًا على وجود الجماعة، ويُفهم نقد القيادة بوصفه خدمةً للخصوم.

لكن هذه الآلية الدفاعية، وإن كانت مفهومة نفسيًّا، تضعف الجماعة على المدى الطويل؛ لأنها تمنعها من التمييز بين العدو والناقد، وبين الهجوم الخارجي والمراجعة الداخلية. والجماعة التي لا تسمح بالنقد إلا بعد زوال الخطر لن تسمح به أبدًا، لأن الإحساس بالخطر يستطيع دائمًا أن يجد لنفسه مبررًا جديدًا.

مثّل غالي شكري نموذج المثقف القبطي الذي لم يعتبر انتماءه تفويضًا للمؤسسة كي تتكلم باسمه في كل شيء. لم ينكر أن البابا أو الأسقف يستطيع التحدث في الشأن العام، لكنه رفض احتكار التمثيل؛ لأن الأقباط ليسوا رأيًا سياسيًّا واحدًا، ولا طبقة اجتماعية واحدة، ولا كتلة ثقافية متجانسة.

فيهم المحافظ والتقدمي، واليساري والليبرالي، والغني والفقير، والريفي والحضري، والمتدين والعلماني. واختزالهم في صوت واحد، ولو كان صوت البطريرك، يلغي هذا التعدد الواقعي.

والتعدد ليس ترفًا فكريًّا، بل شرط من شروط الانتقال من الطائفة إلى المواطنة. فالطائفة تتكلم بصوت واحد أمام السلطان، أما المواطنون فيختلفون ويتحالفون ويتنافسون وفقًا للأفكار والمصالح والبرامج.

 الكنيسة بين القوة السياسية والرسالة النبوية
يمكن القول إن مشروع غالي شكري يحمل، من زاوية لاهوتية، إمكانًا تحريريًّا للكنيسة نفسها. وليس المقصود هنا إدراج الرجل في مدرسة «لاهوت التحرير» بمعناها الاصطلاحي الحديث، بل القول إن نقده المؤسسي يلتقي، من حيث النتيجة، مع أفق أصيل في اللاهوت المسيحي يميز بين الشهادة الروحية وامتلاك النفوذ الزمني.

فالكنيسة الأولى لم تنشأ بوصفها جهازًا سياسيًّا موازيًا للدولة، ولم تستمد قوتها من قدرتها على التفاوض مع السلطة، بل من شهادتها وسط المجتمع. وكان حضورها يقوم على مفارقة جوهرية: ضعفها الظاهر كان مصدر قوتها الأخلاقية، وغربتها عن أدوات السيطرة هي التي أتاحت لها أن تخاطب الضمير دون أن تتحول إلى سلطة تنافس سائر السلطات.

ويكشف تراث آباء البرية، على اختلاف سياقاته، عن حساسية عميقة تجاه التماهي بين الروحي والزمني. فالانسحاب إلى البرية لم يكن دائمًا هربًا من المجتمع، بل احتجاجًا صامتًا على تحويل الإيمان إلى امتياز، وعلى اقتران الكنيسة بقوة الإمبراطورية بعد انتقال المسيحية من الاضطهاد إلى الاعتراف الرسمي.

ولذلك فإن استعادة الوظيفة النبوية للكنيسة لا تعني إخراجها من الشأن العام، بل تغيير طريقة حضورها فيه. فالكنيسة تتكلم في العدل والحرية وكرامة الإنسان، لا لأنها تمثل كتلة انتخابية أو جماعة ضغط، بل لأنها تحمل شهادةً أخلاقية تتجاوز المصالح الطائفية.

وهنا يلتقي نقد غالي شكري، من حيث لا يتبنى لغته اللاهوتية بالضرورة، مع صورة الإنجيل عن الجماعة التي تكون «ملح الأرض» و«نور العالم». فالملح لا يستبدل الطعام، والنور لا يستولي على المكان، بل يكشف معناه ويمنع فساده. والشهادة المسيحية تفقد شيئًا من حقيقتها حين تتحول الكنيسة من ضميرٍ للمجتمع إلى جهاز نفوذ داخله.

فالكنيسة التي لا تُحمَّل مسؤولية التفاوض على الوظائف والمناصب والتراخيص والحماية الأمنية تستطيع أن تستعيد وظيفتها النبوية: أن تقف مع الإنسان بوصفه إنسانًا، وأن تدافع عن العدل للجميع، لا أن تنحصر في إدارة حقوق جماعة بعينها.

ولا تبلغ الكنيسة كمال رسالتها حين تصير أقوى طائفة، بل حين تشهد لإنجيل يتجاوز منطق الطوائف. ولا تُصان كرامة المسيحيين بتحويلهم إلى كتلة تفاوضية، بل بقيام نظام سياسي لا يحتاج فيه الإنسان إلى إعلان عقيدته كي ينال حقه.

من هنا لا يكون نقد التمثيل الكنسي طعنًا في الأبوة الروحية، بل دفاعًا عن حدودها. فالأب الروحي يرعى الضمير، ولا يستبدل إرادة المواطن؛ ويعلّم الحرية، ولا يصادر التعدد؛ ويحمي وحدة الكنيسة، دون أن يحولها إلى كتلة سياسية صماء.

كان غالي شكري يدافع، في جوهر مشروعه، عن انتقال القبطي من وضع «الابن المحمي» إلى وضع «المواطن الشريك». وهذا الانتقال لا يضعف الكنيسة، بل يحررها من العبء الذي حمّلتها إياه الدولة والمجتمع.

 البابا شنودة بين ضرورات التاريخ وحدود النموذج
من الإنصاف التاريخي ألا يُقرأ نموذج البابا شنودة خارج شروطه. فقد تصاعد التوتر الديني في مصر منذ سبعينيات القرن العشرين، وازدادت الجماعات الإسلامية حضورًا، وتوترت علاقة الكنيسة بالرئيس أنور السادات، وانتهت إلى قرارات سبتمبر ١٩٨١ وإبعاد البابا عن مقره وتحديد إقامته في دير الأنبا بيشوي.

في هذا المناخ لم تكن الكنيسة تتحرك في فراغ، بل في مواجهة مخاوف حقيقية تتعلق بأمن الأقباط وموقعهم في الدولة. واستطاع البابا شنودة أن يمنح قطاعات واسعة من الأقباط شعورًا بالقوة والكرامة، بعد مراحل من الصمت والتراجع.

لكن الاعتراف بضرورات النموذج لا يعني تحويله إلى صيغة أبدية. فالنموذج الذي أدى وظيفة دفاعية في مرحلة معينة قد يصبح عائقًا إذا جرى تثبيته بوصفه الشكل الوحيد الممكن للعلاقة بين الكنيسة والأقباط والدولة.

والسؤال الذي يثيره فكر غالي شكري هو: هل ينبغي أن تظل قوة الأقباط متمركزة في شخص البطريرك، أم ينبغي أن تنتقل إلى مؤسسات القانون والمجتمع والسياسة؟

القضية ليست نزع القوة من الكنيسة، بل توزيع القوة داخل المجتمع. فحين تكون قوة القبطي مستمدة من قوة البطريرك، تظل حقوقه معلقةً على ميزان العلاقة بين البطريرك والدولة. أما حين تكون مستمدة من الدستور والقانون والمؤسسات، فلا يفقدها بتغير البطريرك أو الرئيس.

 من الوحدة الوطنية الاحتفالية إلى المواطنة الدستورية
تجاوز غالي شكري الصيغ الاحتفالية للوحدة الوطنية؛ تلك التي تجمع الشيخ والقس في المناسبات، وتكرر صور الهلال والصليب، بينما تترك البنية المنتجة للتمييز قائمة.

فالمشكلة ليست في غياب مشاهد المحبة، بل في وجود اختلالات مؤسسية لا تعالجها الخطب. يمكن للمسلم والمسيحي أن يتبادلا التهاني، بينما يظل القانون أو التطبيق الإداري أو الثقافة الاجتماعية حاملًا للتمييز. ويمكن للدولة أن ترفع شعار الوحدة الوطنية، بينما تستمر في مخاطبة الأقباط من خلال الكنيسة، لا من خلال حقوق المواطنة.

الوحدة الوطنية الحقيقية ليست حالة وجدانية عابرة، بل نظام حقوق. تظهر في المدرسة، والعمل، والقضاء، والإدارة، والتمثيل السياسي، وحرية بناء دور العبادة، وتكافؤ الفرص. وهي لا تحتاج إلى إنكار التوتر، بل إلى الاعتراف بأسبابه ومعالجتها.

لقد نقل غالي شكري السؤال من مستوى: هل يحب المسلمون والمسيحيون بعضهم؟ إلى مستوى أكثر صرامة: هل تضمن الدولة المساواة بينهم؟
فالمحبة قيمة أخلاقية ودينية، أما المواطنة فبنية قانونية وسياسية. ولا يجوز للدولة أن تستبدل الحقوق بطلب المحبة، كما لا تستطيع الكنيسة أن تجعل المحبة بديلًا من العدالة.

 المثقف في مواجهة منطق الحشد
يمثل غالي شكري نموذجًا للمثقف الذي يقاوم إغراء التحول إلى ناطق باسم الجماعة. فالمثقف لا تُقاس أمانته بقدرته على الدفاع عن جماعته في كل الأحوال، بل بقدرته على مساءلة الجماعة والدولة معًا.

وهذه وظيفة شاقة؛ لأن المثقف القبطي الذي ينتقد الدولة قد يُتهم بالطائفية، والذي ينتقد الكنيسة قد يُتهم بخيانة الأقباط، والذي ينتقد الطرفين قد يجد نفسه بلا جماعة تحميه.

لكن استقلال المثقف لا يعني الوقوف في منتصف حسابي بين الدولة والكنيسة، ولا توزيع اللوم بالتساوي، بل تحديد مسؤولية كل طرف وفقًا لموقعه وقوته. فالدولة مسؤولة أولًا عن المساواة والأمن والقانون، والكنيسة مسؤولة عن ألا تحول ضرورة الحماية إلى احتكار دائم للتمثيل، والمثقف مسؤول عن ألا يبيع حريته مقابل رضا أي سلطة.

كانت قوة غالي شكري في أنه ربط السؤال القبطي بالسؤال المصري. لم يطلب للأقباط استثناءً، بل دولةً لا تحتاج فيها أي جماعة إلى الاستثناء. ولم يبحث عن امتيازات طائفية مضادة، بل عن تفكيك نظام الامتياز والتمييز من أساسه.

 غالي شكري ووليم سليمان قلادة
يمكن وضع غالي شكري إلى جوار وليم سليمان قلادة، مع إدراك اختلاف المسارين. فكلاهما انطلق من الهم القبطي إلى سؤال المواطنة، ورفض اختزال الأقباط في طائفة منعزلة.

لكن قلادة اقترب من القضية عبر الفكر القانوني والتاريخ الوطني واللاهوت الكنسي، بينما اقترب غالي شكري منها عبر سوسيولوجيا الثقافة ونقد الدولة وتحليل العلاقة بين المثقف والسلطة.

كان قلادة يعيد بناء المواطنة بوصفها مفهومًا قانونيًّا وأخلاقيًّا له جذوره في الخبرة المصرية، بينما كان غالي شكري يكشف القوى الاجتماعية والسياسية التي تعطل تحول هذا المفهوم إلى واقع.

ويجمعهما رفضان متكاملان: رفض الدولة الدينية التي تميز بين المواطنين، ورفض الطائفة المغلقة التي تجعل المؤسسة الدينية بديلًا من المجال العام.

 المسألة القبطية مرآةٌ للدولة
أهم ما يبقى من غالي شكري ليس مجموعة أحكام منفصلة عن الكنيسة أو البابا شنودة، بل المنهج الذي أعاد به وضع القضية القبطية داخل تاريخ مصر الحديث.

فتهميش القبطي ليس أزمة تخص القبطي وحده، بل علامة على ضعف القانون. وتضخم الدور السياسي للكنيسة ليس شأنًا كنسيًّا صرفًا، بل علامة على غياب الأحزاب والمؤسسات. والتوتر الديني ليس نتيجة اختلاف العقائد في ذاته، بل نتيجة الطريقة التي تدير بها الدولة والمجتمع هذا الاختلاف.

إن المسألة القبطية، وفق هذا المنظور، مرآة تكشف درجة نضج الدولة الوطنية. فحيث يُعامل القبطي بوصفه مواطنًا، تتحرر الكنيسة من عبء التمثيل السياسي. وحيث يُعامل بوصفه عضوًا في طائفة، تضطر الكنيسة إلى أن تصبح وسيطًا. وحيث يغيب القانون، يصبح الرمز الديني أقوى من المؤسسة المدنية.

ومن ثم فإن السؤال الصحيح ليس فقط: لماذا تدخلت الكنيسة في السياسة؟ بل أيضًا: ما الذي جعل الأقباط يحتاجون إلى تدخلها؟ وليس فقط: لماذا تكلم البطريرك باسم الأقباط؟ بل: لماذا لم تكن هناك قنوات سياسية ومدنية يستطيع الأقباط أن يتكلموا من خلالها بأصوات متعددة؟

 ما بعد نموذج الحماية
لم يعد كافيًا في الزمن الراهن تكرار نموذج الحماية الذي تشكل في القرن العشرين. فقد تغير الأقباط أنفسهم، واتسعت الطبقة الوسطى، وتعددت الخبرات الثقافية، وظهرت أجيال في المهجر تعيش داخل دول تفصل بين الانتماء الديني والحقوق المدنية، كما أتاحت وسائل الاتصال للأفراد قدرةً متزايدة على التعبير خارج المؤسسات التقليدية.

ولهذا أصبح احتكار التمثيل أقل إمكانًا وأقل شرعية. فالأقباط ليسوا كتلة يمكن اختزالها في بيان كنسي أو موقف سياسي واحد. والكنيسة التي تدرك هذا التعدد لا تخسره، بل تحوله إلى مصدر غنى؛ لأنها تميز بين وحدة الإيمان وتعدد الآراء السياسية والاجتماعية.

أما الدولة فعليها أن تتوقف عن استعمال الكنيسة بوصفها مكتبًا لإدارة الأقباط. فالتفاوض مع القيادات الدينية مشروع في شؤونها الخاصة، لكنه لا يجوز أن يحل محل التواصل مع المواطنين والمؤسسات المدنية والأحزاب والقانون.

ما بعد نموذج الحماية ليس التخلي عن الجماعة، بل انتقالها من الاحتماء بالمؤسسة إلى المشاركة في الوطن. وليس إضعاف الأبوة الروحية، بل تحريرها من أن تتحول إلى وصاية سياسية. وليس إخراج الكنيسة من المجتمع، بل إعادة تحديد حضورها بوصفها قوة أخلاقية ونبوية، لا ممثلًا انتخابيًّا مفترضًا لجماعة كاملة.

 أقباط المهجر والتحول من الرعية إلى الشبكة
أضافت الهجرة القبطية الواسعة منذ النصف الثاني من القرن العشرين عنصرًا جديدًا إلى بنية المسألة القبطية لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها في زمن تشكل نموذج الحماية التقليدي. فقد خرجت أعداد متزايدة من الأقباط من البيئة التي كانت فيها الكنيسة المحلية ليست فقط موضع العبادة، بل أيضًا مركز الاجتماع والهوية والحماية والوساطة.

وفي المجتمعات الغربية، ولا سيما الديمقراطيات الليبرالية، وجد القبطي نفسه أمام نموذج مغاير للعلاقة بين الدين والدولة. فهو يستطيع أن ينتمي إلى كنيسته بقوة، وأن يمارس طقسه ويحافظ على ذاكرته، دون أن تكون الكنيسة وسيطه القانوني إلى الدولة أو ممثله السياسي الإلزامي أمامها.

أصبح الفرد هناك مواطنًا بحكم القانون، وقبطيًّا بحكم الإيمان والثقافة والانتماء؛ ولا يلزم أن يذوب أحد البعدين في الآخر. وقد أحدث هذا الواقع تحولًا معرفيًّا ونفسيًّا عميقًا، خصوصًا لدى الأجيال الثانية والثالثة التي نشأت داخل نظم ديمقراطية ترى في حرية الضمير وحق الفرد في التمثيل الذاتي جزءًا من البنية الطبيعية للحياة العامة.

ولا يعني ذلك أن كنائس المهجر تخلت تمامًا عن أنماط الرعاية الأبوية أو أن نفوذ المؤسسة اختفى؛ بل إن الكنيسة في المهجر قد تصبح، أحيانًا، أشد حضورًا في حياة المهاجر بسبب حاجته إلى اللغة والهوية والشبكة الاجتماعية. لكن الفارق الجوهري هو أن هذا الحضور يعمل داخل فضاء قانوني لا يعترف للكنيسة باحتكار تمثيل المواطن أمام الدولة.

لقد أوجدت الهجرة، بهذا المعنى، قبطيًّا يعيش داخل جماعتين في وقت واحد: جماعة كنسية تحفظ الذاكرة، وجماعة سياسية مدنية تمنحه الحقوق بوصفه فردًا. ومن احتكاك المجالين نشأ وعي جديد يسأل: لماذا يستطيع القبطي في المهجر أن يكون عضوًا كاملًا في الكنيسة ومواطنًا كاملًا في الدولة، بينما يبدو في وطنه الأصلي كأن اكتمال أحد الانتماءين يقتضي تمدد الآخر أو انكماشه؟

 التحول الرقمي وتصدع الصوت الواحد
ثم جاء التحول الرقمي ليعمق هذا الانتقال. فقد كانت المؤسسة الدينية، في النموذج التقليدي، تملك قدرًا كبيرًا من السيطرة على قنوات الخطاب الداخلي: المنبر، والمجلة، والاجتماع، والكتاب، وشبكات الرعاية المحلية. أما المجال الرقمي فقد بدد مركزية المنبر الواحد، ومنح الأفراد والجماعات الصغيرة قدرةً على النشر والتعليق والاعتراض وتبادل الوثائق خارج التسلسل المؤسسي.

لم يعد القبطي يتلقى صورته عن نفسه من الوعظ الكنسي وحده، ولا يعرف أخبار جماعته من البيانات الرسمية فحسب. صار يعيش داخل فضاء عابر للحدود، يقارن بين خبرات الكنائس، ونماذج الدولة، وأشكال الحكم، وحقوق الأقليات، ولغات النقد اللاهوتي والمدني.

وبذلك لم يعد نقد احتكار التمثيل مجرد أطروحة نظرية صاغها مثقف مثل غالي شكري، بل صار نتيجةً موضوعية لتحول البنية الاتصالية نفسها. فحين تتعدد المنابر، يتعذر احتكار الصوت؛ وحين تنتقل الوثيقة فورًا بين القارات، تضعف قدرة المركز على ضبط الرواية؛ وحين يشارك الفرد في النقاش العام مباشرةً، تتراجع حاجته إلى من يتكلم باسمه.

لقد انتقل جزء من الاجتماع القبطي من صورة «الرعية» ذات المركز المكاني والسلطة الرأسية إلى صورة «الشبكة» العابرة للحدود والمتعددة المراكز. والرعية تقوم على القرب والطاعة والتدرج، أما الشبكة فتقوم على الاتصال الأفقي، وتعدد مصادر المعرفة، وسرعة تداول الرأي.

ولا يعني ذلك أن الشبكة أكثر حكمةً بالضرورة؛ فقد تنتج الاستقطاب والشائعات والتعبئة والانقسام. لكنها، على المستوى البنيوي، تجعل العودة إلى نموذج الصوت الواحد أكثر صعوبة. فاحتكار التمثيل يتصدع هنا لا بفعل النقد النظري وحده، بل لأن الواقع الاجتماعي والتقني لم يعد يسمح باستمراره بالشكل القديم.

 من التغير الديموغرافي إلى تغير الوعي
ليست أهمية المهجر والتحول الرقمي في عدد المهاجرين أو انتشار المنصات فحسب، بل في تغير صورة القبطي عن نفسه. فقد كان الفرد في النموذج التقليدي يُعرَّف أولًا بوصفه عضوًا في جماعة تحتاج إلى الحماية؛ أما في النموذج الجديد فيتعلم أن يرى نفسه صاحب حقوق سابقة على اعتراف المؤسسة به، وأن انتماءه الكنسي لا يلغي استقلاله السياسي والفكري.

وهذا التحول ليس تمردًا بالضرورة على الكنيسة، بل انتقال من الطاعة غير المتمايزة إلى الانتماء الناضج. فالإنسان يستطيع أن يكون أمينًا لإيمانه، مرتبطًا بليتورجيته وتراثه، من دون أن يفوض المؤسسة في كل اختياراته السياسية والثقافية.

ومن هنا يغدو سؤال غالي شكري أكثر راهنية مما كان في زمنه. فقد كان الرجل يطالب نظريًّا بفصل المواطنة عن الوساطة الطائفية، بينما صنعت العولمة والهجرة والاتصال الرقمي أجيالًا تختبر هذا الفصل عمليًّا. وما كان أطروحةً نخبوية في كتاب، أصبح خبرةً يومية لملايين يعيشون بين الكنيسة والدولة دون أن يضطروا إلى دمجهما في مؤسسة واحدة.

 من الطائفة المحمية إلى المواطن الحر
تكشف العلاقة الفكرية بين غالي شكري والبابا شنودة الثالث عن مفارقة عميقة في التاريخ القبطي الحديث. لقد احتاج الأقباط إلى قيادة كنسية قوية لأن الدولة المدنية كانت ضعيفة في حمايتهم؛ لكن قوة القيادة الكنسية نفسها أسهمت، بحكم الضرورة التاريخية، في تثبيت صورة الأقباط بوصفهم جماعة يمثلها بطريرك، لا مواطنين يمثلون أنفسهم.

لم يكن البابا شنودة صانعًا منفردًا لهذه المعادلة، بل كان أحد أبرز من حملوا أثقالها. ولم يكن غالي شكري خصمًا للكنيسة حين نقد نتائجها، بل كان يبحث عن أفق لا تضطر فيه الكنيسة إلى حمل هذا العبء أصلًا.

بين الراعي والمثقف فرق في الوظيفة والزمن النفسي. الراعي يرى الجرح المفتوح ويبحث عن وقف النزيف؛ والمثقف يسأل عن النظام الذي يعيد إنتاج الجرح. الراعي يحمي الجماعة في لحظة الخطر؛ والمثقف يعمل من أجل واقع لا تكون فيه الجماعة محتاجةً إلى الاحتماء الدائم.

ولا يكتمل أحد الدورين دون الآخر. فالنقد الذي لا يفهم الخوف يصبح قاسيًا ومجردًا، والحماية التي لا تسمح بالنقد تتحول إلى إقامة دائمة داخل الخوف.
وعلى هذا الأساس تستقيم الأطروحة المركزية: لم يكن اختلاف غالي شكري مع الخطاب الكنسي اختلافًا مع الإيمان، ولا جحودًا للوجود القبطي وعمقه التاريخي، بل اعتراضًا منهجيًّا على تحول الكنيسة من جماعة روحية وتاريخية إلى ممثل سياسي شبه حصري للأقباط.

لقد رأى أن حماية الجماعة لا تتحقق بإغلاقها على ذاتها داخل أسوار الطائفة، بل بإدماجها في دولة المواطنة والقانون، حيث يُصان القبطي مواطنًا كامل الأهلية، لا محميًّا موكولًا أمره إلى وسيط يتكلم باسمه.

وليس السؤال الذي حمله غالي شكري سؤالًا مضى زمانه؛ فالعقود اللاحقة أعادت طرحه بصيغ أكثر إلحاحًا: في لحظات الاحتقان الطائفي التي كشفت هشاشة الوساطات، وفي تحولات الوعي القبطي في المهجر، حيث نشأت أجيال تعيش المواطنة الكاملة واقعًا يوميًّا، وفي المجال الرقمي الذي فكك مركزية الصوت الواحد، وجعل الفرد شريكًا في إنتاج الخطاب لا مجرد متلقٍ له.

لم يعد احتكار التمثيل يتعرض للنقد من خارج بنيته فحسب، بل بدأ يتصدع من داخل الواقع الجديد نفسه. فالمهاجر الذي يتعامل مع دولته مباشرةً، والشاب الذي يكتب رأيه بلا وسيط، والباحث الذي يصل إلى الوثيقة خارج الأرشيف المغلق، جميعهم ينتمون إلى طور تاريخي يتراجع فيه نموذج الطائفة الصامتة التي يتكلم مركز واحد باسمها.

لهذا يبقى غالي شكري نموذجًا للمثقف القبطي الذي أحب جماعته بالنقد لا بالمديح، وخدم كنيسته بمحاولة تحريرها مما ليس من جوهر رسالتها، وآمن بأن أصدق وفاء للجماعة هو العمل على وطن لا تحتاج فيه إلى أسوار.

فالقبطي لا يتحرر حين تصبح طائفته أقوى من سائر الطوائف، بل حين لا تعود طائفته هي الطريق الضروري إلى حقوقه. والكنيسة لا تفقد مكانتها حين يتراجع تمثيلها السياسي، بل تستعيد رسالتها الروحية والنبوية. والوطن لا يصير واحدًا بالشعارات واللقاءات الاحتفالية، بل حين يقف الإنسان أمام القانون متحررًا من امتياز الأكثرية ومن خوف الأقلية، فلا يحتاج إلى شيخ أو بطريرك كي يثبت أنه مواطن.

عندئذ فقط تنتقل مصر من إدارة التعايش بين الطوائف إلى تأسيس الشركة بين المواطنين؛ ومن وحدة يحرسها القلق إلى مواطنة يحرسها القانون؛ ومن وطن تتفاوض فيه الجماعات على مواقعها إلى وطن يلتقي فيه المختلفون، لا لأنهم أنكروا اختلافهم، بل لأن الاختلاف لم يعد حكمًا على قيمة الإنسان أو مقدار حقه.