د. مينا ملاك عازر
1. الخلفية التاريخية: من الثورة إلى الحصار
وصول كاسترو وسقوط باتيستا (1959)

في يناير 1959، أطاحت ثورة شعبية بقيادة فيدل كاسترو وأرنستو تشي جيفارا بنظام فولغينسيو باتيستا المدعوم أمريكياً. تحولت كوبا سريعاً من حديقة خلفية للاستثمارات والنفوذ الأمريكي إلى دولة اشتراكية تأممت فيها الشركات والمزارع الأمريكية، مما أثار حفيظة واشنطن التي رأت في وجود نظام ماركسي على بعد 90 ميلاً فقط من سواحل فلوريدا تهديداً استراتيجياً مباشراً.

خليج الخنازير (1961)
أجازت الإدارة الأمريكية عبر الاستخبارات المركزية خطة لإنزال 1400 من المنفيين الكوبيين في خليج الخنازير لإسقاط كاسترو. انتهت العملية بفشل ذريع ومحرج لواشنطن، وكانت النتيجة العكسية هي دفع كاسترو إلى الارتماء الكامل في أحضان الاتحاد السوفيتي لضمان بقائه.

أزمة الصواريخ الكوبية (1962)
شهد العالم أخطر لحظة للنزاع النووي في التاريخ عندما نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية في كوبا كرد فعل على نشر أمريكا صواريخ في تركيا. انتهت الأزمة بسحب الصواريخ مقابل تعهد أمريكي علني بعدم غزو كوبا، وتعهد سري بسحب الصواريخ من تركيا. منذ ذلك الحين، فرضت واشنطن حظراً اقتصادياً وتجارياً شاملاً بهدف خنق النظام إقتصادياً.

2. مرحلة ما بعد الرموز واستمرار النهج
رحيل كاسترو وانتقال السلطة
أ. توفي فيدل كاسترو عام 2016.
ب. تنحى شقيقه راؤول كاسترو عن السلطة بين عامي 2018 و2021، ليتولى ميغيل دياز كانيل رئاسة البلاد وقيادة الحزب الشيوعي الكوبي.

لماذا لم تتغير السياسة الأمريكية؟
رغم تغير القيادات التاريخية، تتنوع أسباب الثبات الأمريكي بين:
أ. السياسة الداخلية الأمريكية: صوت الجالية الكوبية في ولاية فلوريدا يلعب دوراً حاسماً في الانتخابات الأمريكية، ويرفض أي تقارب مع النظام الكوبي دون تحول ديمقراطي كامل.

ب. قانون هلمز-بيرتون لعام 1996: يفرض هذا القانون تشريعات صارمة تمنع رفع الحظر إلا بعد تفكيك النظام الشيوعي وإجراء انتخابات حرة.

لماذا لم تتغير المواقف الكوبية؟
النظام الكوبي يعتبر الثورة والسيادة الوطنية خطاً أحمر، ويستخدم الحصار الأمريكي كعنصر تجميع شعبي وتبرير لأي اختلالات اقتصادية داخلية.

3. هل سقطت كوبا أم أنها على وشك السقوط؟
الجواب الدقيق: كوبا لم تسقط سياسياً، لكنها تشهد شللاً وانهياراً هيكلياً واقتصادياً غير مسبوق.

أزمة الطاقة وانقطاع الكهرباء
تعاني كوبا من ظلام تام وانقطاعات متكررة للكهرباء تؤدي إلى شلل المحافظات والعاصمة هافانا. الأسباب تعود إلى:
أ. تهالك محطات توليد الكهرباء الحرارية المصممة منذ العهد السوفيتي.

ب. نقص الوقود الحاد: تقلصت الإمدادات من فنزويلا، وازداد الضغط والرقابة الأمريكية على ناقلات النفط المتجهة إلى الجزيرة.

عوامل عدم انهيار النظام حتى الآن
رغم هذا الوضع القاسي، تحافظ الحكومة الكوبية على بقائها للأسباب التالية:
أ. القبضة الأمنية والاستخباراتية: يمتلك النظام جهازاً أمنياً شديد التماسك يحول دون تنظيم معارضة سياسية قوية داخلية.

ب. صمام أمان الهجرة: تفضيل الفئات الساخطين للهجرة بدلاً من المواجهة الداخلية، حيث غادر مئات الآلاف خلال السنوات الأخيرة نحو أمريكا ودول أخرى.

ج. الدعم الخارجي المحدود: تلبيات شحنات استثنائية من شُركاء مثل المكسيك وروسيا والصين بعض الاحتياجات الطارئة لضمان عدم الانهيار التام.

4. هل كوبا ورقة مساومة مع الروس؟
القيمة الاستراتيجية والجغرافية
تكمن قيمة كوبا الفريدة في قُربها الجغرافي المباشر من الأراضي الأمريكية، مما يجعلها منصة طبيعية لمراقبة وتحديد النفوذ في البحر الكاريبي.

العلاقة مع روسيا
أ. الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية: وقعت موسكو وهافانا اتفاقيات لتعزيز التعاون العسكري والتجاري.

ب. ورقة ضغط: تستخدم روسيا تواجدها في كوبا كرسالة ردع للضغط الأمريكي في شرق أوروبا، مفادها أن الكرملين قادر على التواجد قرب الحدود الأمريكية إذا تطلب الأمر.

ج. حدود الرهان: روسيا الاتحادية ليست الاتحاد السوفيتي؛ فهي لن تتحمل تكلفة تمويل الاقتصاد الكوبي بالكامل، بل تتعامل مع الملف ببرجماتية تقيس حجم الفائدة مقابل الكلفة.

5. ماذا ننتظر مقدماً؟
المشهد الكوبي يتجه نحو سيناريوهات حاسمة:
أ. إصلاحات اقتصادية اضطرارية: إصدار إصلاحات تسمح بمرونة أكبر للقطاع الخاص والمؤسسات المالية لفتح باب الاستثمار وتقليل الاعتماد على الدولة.

ب. ضغوط شعبية متزايدة: احتمالية تجدد الاحتجاجات مع استمرار أزمات الانقطاعات والمواد الغذائية.

ج. تحركات دبلوماسية خلف الكواليس: محاولات لفتح قنوات تواصل لحل أزمة الطاقة والتخفيف من القيود التجارية المشددة.

خلاصة القول: كوبا تمر اليوم بأحد أصعب اختبارات بقائها منذ ستينيات القرن الماضي؛ فهي بين فكّي حصر مالي ونقص وقود شديد من جهة، وهيكل داخلي يحاول الصمود والتكيف عبر الإصلاحات والتحالفات الدولية من جهة أخرى.