دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية- شيكاجو
يكشف لنا الأصحاح الرابع من سفر صموئيل الأول حقيقة مؤلمة عن النفس البشرية؛ إذ يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن أسرع الحلول وأيسرها، بدلًا من مواجهة السبب الحقيقي للمشكلة.
يقول الوحي الإلهي:
«وَاصْطَفَّ الْفِلِسْطِينِيُّونَ لِلِقَاءِ إِسْرَائِيلَ، وَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ فَانْكَسَرَ إِسْرَائِيلُ… فَقَالَ شُيُوخُ إِسْرَائِيلَ: لِمَاذَا كَسَّرَنَا الْيَوْمَ الرَّبُّ أَمَامَ الْفِلِسْطِينِيِّينَ؟ لِنَأْخُذْ لأَنْفُسِنَا مِنْ شِيلُوهَ تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ، فَيَدْخُلَ فِي وَسَطِنَا وَيُخَلِّصَنَا مِنْ يَدِ أَعْدَائِنَا» (١صموئيل ٤: ٢-٣).
لقد بدأ شيوخ إسرائيل بسؤال عميق: «لماذا كسرنا الرب؟»، لكنه سؤال لم يتبعه انتظار للإجابة، ولا وقوف أمام الله في توبة وانسحاق.
وكان بينهم نبي الله صموئيل، الذي أعلن الكتاب عنه بوضوح: «وَعَرَفَ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ… أَنَّهُ قَدِ اؤْتُمِنَ صَمُوئِيلُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ» (١صموئيل ٣: ٢٠)، ومع ذلك لم يلجأوا إليه ليسمعوا كلمة الله، بل تجاوزوا صوت الله إلى حلٍّ سريع من صنع أفكارهم.
فبدلًا من البحث عن سبب انكسارهم، قالوا: «لنأخذ لأنفسنا تابوت عهد الرب.»
وهنا تكمن المأساة؛ فلم يطلبوا الرب نفسه، بل طلبوا التابوت. ولم يشتاقوا إلى حضوره، بل تمسكوا برمز حضوره.
ظنوا أن وجود التابوت بينهم سيُلزم الله بمنحهم النصرة، وكأن الله قوة يمكن توظيفها، أو تميمة تجلب الحماية.
لكن الله الحي لا يُستخدم، بل يُعبد. ولا يُقاد بإرادة الإنسان، بل هو الذي يقود حياة الخاضعين له.
وهذا المشهد قد يتكرر في حياتنا الروحية. فعندما تحل بنا الضيقات، كثيرًا ما ننشغل بالبحث عن أسرع وسيلة للخلاص، بدلًا من أن نقف أمام الله ونسأله: ماذا تريد أن تعلمني؟ وما الذي ينبغي أن يتغير في حياتي؟
فنكتفي بصلاة سريعة، أو نحفظ آية كتابية، أو نكثر من حضور الاجتماعات، أو نقدم عطية، ليس شوقًا إلى الله، بل رغبة في انتهاء الأزمة. وهكذا تتحول الوسائل الروحية، التي قصدها الله لتقودنا إليه، إلى وسائل نستخدمها لتحقيق رغباتنا.
لقد كانت مشكلة إسرائيل ليست غياب التابوت، بل غياب التوبة. ولم تكن في نقص المقدسات، بل في فساد القلوب. لذلك دخل التابوت إلى أرض المعركة، لكن النصرة لم تأتِ، لأن الله لا يمنح بركة حضوره لمن يتمسك بالمظاهر ويترك جوهر العلاقة معه.
ولهذا يعلن الرب على فم النبي: «إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ» (هوشع ٦: ٦).
الله لا يقدم حلولًا مؤقتة على حساب العلاج الحقيقي، بل يعمل في أعماق الإنسان ليصنع تغييرًا دائمًا.
وحينئذٍ تصبح أعظم بركة ليست الخلاص من الأزمة، بل معرفة الله والسير معه في شركة حقيقية.





