محمد نبيل المصري
تمتلك بعض الشخصيات قدرة نادرة على أن تترك أثرًا يتجاوز حدود الزمن، فتتحول من مجرد أصدقاء للعائلة إلى جزء من الذاكرة الإنسانية التي تستحق أن تُروى للأجيال القادمة. ومن هؤلاء الأستاذ سمير فؤاد يونان، الذي عرفت فيه نموذجًا مصريًا أصيلًا لحسن الجيرة والصداقة الصادقة والتسامح الإنساني.

في زمن تتغير فيه العلاقات الاجتماعية سريعًا، تظل تجربة معرفتي به شاهدًا على مرحلة جميلة من تاريخ المجتمع المصري، حين كانت الروابط بين الأسر أقوى من أي اختلاف ديني أو اجتماعي، وحين كان الإنسان يُقاس بأخلاقه ومواقفه لا بانتمائه.

بدأ سمير فؤاد يونان رحلته الأكاديمية بدراسة الطب قبل أن ينتقل إلى عالم التجارة والأعمال، ليعمل في مؤسسات مرموقة من بينها وكالة رويترز للأنباء وشركات كبرى أخرى. كان مثالًا للإنسان الذي لا يتوقف عن التعلم، وهو ما انعكس في شغفه باللغات؛ إذ أتقن العربية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية بطلاقة، وجعل من المعرفة أسلوب حياة لا مجرد وسيلة للعمل.

لكن ما تعلمته منه لم يكن مقتصرًا على النجاح المهني أو الطموح الشخصي. فقد كان درسًا حيًا في التسامح الديني والتعايش الإنساني. لم أره يومًا يفرق بين مسلم ومسيحي في معاملة أو موقف، بل كان يؤمن بأن الإنسان أولًا وأخيرًا هو قيمة في ذاته. ومن خلال سلوكه اليومي تعلمت أن المحبة والاحترام أقوى من أي اختلاف.

أتذكر كيف اكتشف شغفي بكرة القدم وأنا طفل صغير، فبادر بمساعدتي للانضمام إلى فريق رياضي، مؤمنًا بأهمية دعم المواهب الناشئة. وأتذكر أيضًا كيف فتح أمامي نوافذ جديدة على العالم عندما عرفني على السينما العالمية، فشاهدت من خلاله أعمالًا خالدة مثل Braveheart وآلام المسيح وغيرها من الأفلام التي وسعت مداركي وعمقت فهمي للثقافات المختلفة.

ولم يتوقف دعمه عند هذا الحد. كان يشجعني على حضور الندوات المتخصصة في البحث عن الوظائف وتنمية مهارات التواصل الشخصي، بل وكان يحرص أحيانًا على اصطحابي بنفسه إليها، إيمانًا منه بأن الاستثمار الحقيقي يكون في بناء الإنسان.

وعلى المستوى الشخصي، ما زلت أحتفظ بذكريات هداياه في أعياد ميلادي، وبحضوره الصادق في أهم محطات حياتي. وأستعيد بكل امتنان صورته يوم زفافي، وهو يقف إلى جواري يساعدني في ارتداء البدلة ويشاركني فرحتي وكأنه أحد أفراد أسرتي المقربين.

بالنسبة لي، لم يكن سمير فؤاد يونان مجرد صديق للعائلة، بل كان أخًا أكبر ومرشدًا وأبًا روحيًا في كثير من المواقف. علمني اللغة الفرنسية بمحبة وتجرد، وغرس في نفسي قيم الاجتهاد والانفتاح على العالم واحترام الآخر.

إن الحديث عن شخصيات كهذه ليس مجرد استدعاء للذكريات، بل توثيق لقيم مصرية أصيلة يجب أن تبقى حية في وجدان الأجيال الجديدة؛ قيم المحبة والتسامح وحسن الجيرة والدعم غير المشروط. فالأوطان لا تبنى فقط بالمشروعات والمؤسسات، وإنما تُبنى أيضًا بأمثال هؤلاء الذين يتركون في حياة الآخرين أثرًا لا يمحوه الزمن.