هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
يشهد الإقليم المحيط بمصر منذ أكثر من عقد أزمات سياسية وأمنية وإنسانية متلاحقة، أدت إلى تدفقات بشرية غير مسبوقة نحو الأراضي المصرية، حتى أصبحت مصر من أكبر الدول المستضيفة للاجئين وطالبي اللجوء والنازحين قسرًا في المنطقة. وقد تحملت الدولة المصرية، رغم التحديات الاقتصادية، أعباءً إنسانية جسيمة دون إقامة مخيمات مغلقة، وأتاحت للاجئين خدمات التعليم والصحة وغيرها، وهو ما يحظى بتقدير العديد من المنظمات الدولية.
إلا أن استمرار هذا الوضع في ظل المتغيرات الإقليمية والضغوط الاقتصادية والزيادة السكانية والتحديات الأمنية يفرض إعادة تقييم سياسة إدارة ملف اللجوء، وتقاسم الأعباء الدولية، والعودة الطوعية، وإنهاء الإقامة لمن لا تنطبق عليهم صفة اللاجئ وفق القانون، وهي مطالب تتفق مع الشرعية الدولية.
حيث تُعد مسألة تنظيم إقامة الأجانب داخل إقليم الدولة من أدق الملفات القانونية التي تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، وهي مسألة لا يجوز تناولها بمنطق الشعارات أو العواطف المجردة، وإنما يجب أن تُبنى على النصوص القانونية الحاكمة، والفلسفة التشريعية التي ارتضاها المشرّع، في إطار احترام الدستور وحماية الأمن القومي.
وقد استقر الفقه الدستوري وقضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الدولة تملك سلطة أصيلة في تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وخروجهم من إقليمها، باعتبار ذلك مظهرًا من مظاهر السيادة التي لا تقبل الانتقاص، طالما تم ذلك في إطار من المشروعية واحترام الحد الأدنى من الضمانات القانونية.
ويؤكد هذا المبدأ أن إقامة الأجنبي ليس حقًا مكتسبًا بذاته، وإنما هو مركز قانوني تنظمه الدولة، ويخضع لشروطها وضوابطها، ويزول بزوال سنده المشروع.
ويقرر القانون الدولي أن سيادة الدولة على إقليمها تظل الأصل، وأن تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وخروجهم من صميم الاختصاصات السيادية للدولة، ما دام ذلك يتم في إطار احترام الالتزامات الدولية.
كما تعترف اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967 بحقوق اللاجئين، لكنها لا تلزم دولة بعينها بتحمل العبء إلى أجل غير مسمى أو منفردة دون مشاركة المجتمع الدولي.
ومن الناحية القانونية، يجوز للدولة مراجعة أوضاع المقيمين من غير المواطنين، والتحقق بصورة دورية من استمرار توافر شروط الحماية الدولية، إذ إن صفة اللاجئ ليست صفة أبدية، وإنما قد تنتهي إذا زالت أسباب اللجوء أو حصل الشخص على حماية دولة أخرى أو توافرت إحدى حالات انتهاء صفة اللاجئ المنصوص عليها في اتفاقية عام 1951.
كما يجوز للدولة اتخاذ الإجراءات القانونية بحق الأشخاص الذين دخلوا البلاد أو أقاموا فيها بالمخالفة للقانون، أو الذين لا تنطبق عليهم صفة اللاجئ وفق الضوابط القانونية، مع احترام ضمانات التقاضي وحقوق الإنسان.
وفي ظل الظروف الإقليمية الحالية، يصبح من المشروع أن تعيد مصر تنظيم هذا الملف من خلال مجموعة من الإجراءات القانونية، من أهمها:
١- مراجعة أوضاع جميع المقيمين الحاصلين على صفة لاجئ أو طالب لجوء بالتنسيق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
٢- إنهاء الحماية الدولية لمن زالت أسباب لجوئه وفقًا لأحكام اتفاقية عام 1951.
٣- مكافحة استغلال نظام اللجوء من قبل المهاجرين غير النظاميين أو مرتكبي الجرائم أو من يقدمون بيانات غير صحيحة.
٤- تعزيز برامج العودة الطوعية الآمنة إلى الدول التي استقرت أوضاعها متى توافرت الضمانات القانونية اللازمة.
٥- مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته في إعادة توطين أعداد أكبر من اللاجئين وتقاسم الأعباء المالية والإنسانية بصورة عادلة.
٦- وضع سياسات واضحة لتنظيم الإقامة والعمل بما يحفظ الأمن القومي ويحمي الاقتصاد الوطني.
ولا يقتصر هذا الطرح على الجانب الأمني، بل يستند كذلك إلى مبدأ دولي راسخ هو “تقاسم الأعباء والمسؤوليات” الذي أكدت عليه الأمم المتحدة والميثاق العالمي بشأن اللاجئين لعام 2018، والذي يقضي بأن مسؤولية حماية اللاجئين لا ينبغي أن تتحملها دولة واحدة، وخاصة إذا كانت من الدول النامية أو تواجه تحديات اقتصادية كبيرة.
إن حماية اللاجئين تمثل التزامًا إنسانيًا وقانونيًا، لكن حماية الأمن القومي تمثل كذلك واجبًا دستوريًا يقع على عاتق الدولة. ولا يوجد تعارض بين الأمرين متى تمت إدارة ملف اللجوء وفق أحكام القانون الدولي، وبما يحقق التوازن بين احترام حقوق الإنسان والمحافظة على استقرار الدولة ومصالح شعبها.
ومن ثم، فإن المطلوب هو إعادة تنظيم ملف اللجوء بصورة قانونية شاملة، تضمن بقاء الحماية لمن يستحقها فعلًا، وإنهاء الإقامة القانونية لمن لم يعد مستحقًا لها أو خالف القانون، مع مطالبة المجتمع الدولي بتحمل نصيبه العادل من المسؤولية، بما يحفظ لمصر أمنها القومي ويصون في الوقت ذاته التزاماتها الدولية.





