ماهر الجاولي
قد يظن الإنسان أن المعرفة والفهم مترادفان، لكن السلوك البشري يكشف أن بينهما فرقًا عظيمًا.
"المعرفة" قد تملأ العقل بالمعلومات، أما "الفهم" فهو ممارسة هذه المعلومات في حياة تُعاش وسلوك يُرى.
لذا يقول الرسول يعقوب:
«وَلَكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ» (يعقوب ١: ٢٢).
فالمعرفة التي لا تتحول إلى طاعة الله وممارسة وصاياه ، قد تُرضي العقل لكنها لا تُغيِّر القلب.
وعلي سبيل المثال: يعرف الإنسان أن الغضب يفسد العلاقات الاجتماعية ، لكن الفهم الحقيقي يظهر عندما يتذكر وصية الرب وهو في لحظة الانفعال، فيختار الوداعة بدلًا من الانتقام.
لذلك يقول الكتاب:
«لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ لاَ يَصْنَعُ بِرَّ اللهِ» (يعقوب ١: ٢٠)،
ويعرف الإنسان أن الحياة قصيرة، لكن الفهم يجعل كل يوم عطية من الله، فيعيش كل لحظة في مخافة الرب، مستثمرًا أيامه فيما يمجد الله. كما صلى مرنّم المزمور:
«إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هَكَذَا عَلِّمْنَا، فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ» (مزمور ٩٠: ١٢).
كثيرون يجمعون المعرفة طوال حياتهم، لكن الحكمة الحقيقية لا تظهر إلا عندما تتحول هذه المعرفة إلى فكر مقدس، وكلمة صالحة، وعمل يمجد الله.
لهذا يوصينا الرسول بولس:
«لاَ تَشَاكَلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ» (رومية ١٢: ٢).
إن العقل الهادئ المثمر لا يأتي من كثرة المعلومات، بل من السكنى في كلمة الله والثقة في مواعيده.
فالسلام الحقيقي هو ثمرة قلب يعرف الرب ويختبره، إذ يقول الكتاب:
«ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ» (إشعياء ٢٦: ٣).
ورحلة الحكمة ليست رحلة جمع معلومات، بل رحلة تشبه بالمسيح. إنها انتقال مستمر من مجرد معرفة الحق إلى معايشته.
فالرب يسوع لم يقل: “اعرفوا كلامي فقط”، بل قال:
«إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي… تَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يوحنا ٨: ٣١-٣٢).
فالمعرفة قد تجعلنا أكثر إطلاعًا، أما الفهم فيجعلنا أكثر طاعة لله ووصاياه.





