الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يضع بعض الملحدين هذا الكوميك الذي أضعه مع هذا البوست. أنا معنديش مشكلة مع الإلحاد في حدّ ذاته لأنّه غالبًا غير مؤذٍ مقارنة بالأصوليّة الدينيّة؛ مشكلتي تكمن مع الملحد اللي يخرج من الأصوليّة، لكنه يفضل محتفظًا بها في تفكيره الحرفيّ. فإذا كان زمان بيقول: النص لازم يتفهم حرفيًّا لأنه كلام الله. فبعد ما ألحد بقى يقول: النص لازم يتفهم حرفيًّا علشان أقدر أكمل في إلحادي، وأضحك عليه. وفي الحالتين، أي قراءة أدبيّة أو رمزيّة أو لاهوتيّة عنده تبقى "تجميلًا للنص" أو محاولة يائسة لإنقاذ الكتاب المقدّس.
إنّ الصورة الساخرة التي تقول إن «الله له القوة المطلقة، لكنه يصارع يعقوب ويخلع فخذه» مبنيّة أصلًا على قراءة النص كأنه تقرير مباراة مصارعة: مَن غلب مَن؟ وكم كانت القوة العضليّة لكل طرف؟ لكن نص تكوين ٣٢ أعقد من ذلك بكثير. فالنص لا يبدأ بالقول إن الله نزل ليتحدّى يعقوب في مباراة. كل ما يقوله في البداية إن «رجلًا» صارعه حتى طلوع الفجر. ويشير ديڤيد كوتر، في تفسيره لسفر التكوين ضمن سلسلة Berit Olam الأكاديميّة، إلى أن هذه الطريقة في السرد متعمّدة: فمن وجهة نظر يعقوب، كان الذي أمامه رجلًا، ولذلك يصفه الراوي أولًا بما استطاع يعقوب أن يدركه عنه. الشخصيّات في الرواية العبريّة تُعرَف تدريجيًّا من خلال ما تقوله وما تفعله، وليس من خلال بطاقة تعريف يقدّمها الراوي منذ اللحظة الأولى.
وحتى حركة خلع الفخذ ليست دليلًا على أن الله بذل كل قوته وأخفق، ثم لجأ إلى ضربةٍ غير قانونيّة! الفعل العبري، كما يوضّح كوتر نقلًا عن روبرت ألتر، يعني أن الرجل «لمسَ» ورك يعقوب، لا أنه ضربه ضربةً عنيفة. أي إن ما عجزت عنه ليلة كاملة من الصراع يتحقق بلمسة. فالمشهد لا يصوّر ضعف الله، ولكنّه يكشف أن الخصم الغامض لم يكن عاجزًا عن سحق يعقوب؛ لقد سمح للصراع بأن يمتد حتى يؤدي وظيفته في حياة يعقوب. والقصة لا تنشغل أساسًا بسؤال: هل استطاع الله أن يهزم يعقوب؟ بل بسؤال آخر: ماذا كان يعقوب يصارع في تلك الليلة؟ فخصمه الغامض يمكن أن يُقرأ، وفقًا لكوتر وروبرت ألتر، بوصفه صورةً لعيسو الذي يستعد يعقوب للقائه، وصورةً لكل الذين دخل يعقوب معهم في صراع، وأيضًا تجسيدًا خارجيًّا لكل ما كان يعقوب يصارعه في داخله. فالذي أمضى حياته في المراوغة والخداع، والذي يمكن فهم اسمه على صلة بالاعوجاج، يخرج من الصراع وقد انثنى جسده وصار أعرج، لكي يبدأ السير على نحو أكثر استقامة نحو أخيه. ولهذا يسأله الغريب: «ما اسمك؟». ليس لأنّ الله نسي اسمه، ولكن لأنه على يعقوب أن يعترف بمن يكون: أنا يعقوب، المخادع، المراوغ، الذي أمضى حياته ممسكًا بعقب غيره ومحاولًا انتزاع ما يريد. وبعد هذا الاعتراف ينال اسمًا جديدًا: "إسرائيل"، لأنه جاهد مع الله والناس وبقي حيًّا. لكن اللافت أن الكتاب لا يتوقف بعد ذلك عن تسميته «يعقوب». فهو يتغير، لكن تحوّله لا يكتمل، يظل يحمل داخله الإنسان القديم والجديد معًا.
وهنا تصبح العرجة أهم من نتيجة المباراة نفسها. لقد نال يعقوب اسمًا جديدًا، وجرحًا جديدًا، وطريقة جديدة في الوجود. خرج مباركًا، لكنه لم يخرج سليمًا كما دخل. البركة لم تمنحه وهم الكمال، بل جعلت ضعفه ظاهرًا بحيث لا يستطيع بعد ذلك أن يتجاهله. أما هوية الرجل، فالنص نفسه فيتركها تتكشف تدريجيًّا. سفر هوشع يصف الحدث مرة بأنه صراع مع الله، ومرة بأنه صراع مع الملاك؛ وفي الشعر العبري يمكن أن يتوازى التعبيران، بحيث يكون الملاك ظهورًا محسوسًا لله. ومع ذلك، عرف التقليد اليهودي والمسيحي قراءات أخرى: روح عيسو، أو ملاك يقف إلى جانب يعقوب في صراع آخر، أو ظهور إلهي. أي إن تعدد القراءة قديم، وليس اختراعًا حديثًا لإنقاذ النص من ميم ملحد على الفيسبوك.
ويختار كوتر في النهاية أن يأخذ الرواية حسب منطقها: يعقوب يقول إنه رأى الله، واسمه الجديد يشير إلى أنه جاهد مع الله؛ ولذلك لا يرى ضرورة لحماية الله من القصة أو تفريغها من جرأتها. لكن المعنى لا يصبح أن إنسانًا تغلب عضليًّا على الإله الكليّ القدرة، بل أن الله دخل في صراع مع يعقوب وسمح له أن يتشبث به، ثم جرح وهمه وباركه. والأعمق أن كوتر يقترح قراءة أقل رومانسية من فكرة «تحوّل يعقوب الكامل». فالفصول التالية تكشف أنه ظل متحيزًا، وصعبًا، ومصدرًا لألم عائلته. ربما لم يتحول يعقوب بالكامل قط؛ ربما ظلّ أعرج جسديًّا وأخلاقيًّا، لكنه صار أفضل قليلًا، وأكثر وعيًا بعرجه، وبقي مع ذلك مختارًا للمحبّة ومباركًا. فالله يخلّص الإنسان، لكنه لا يحوّله قسرًا إلى شخص لا يريد هو نفسه أن يصير إليه.
إذًا، المشكلة لا تكمن في أنّ المؤمن يحاول أن ينقذ النص من الإحراج. المشكلة أن القارئ الحرفي، مؤمنًا كان أو ملحدًا، لا يعرف من القصة إلا سطحها: رجلان يتصارعان، واحد منهما الله، إذًا فلنحسب النتيجة! لكن الرواية تتحدث عن يعقوب الذي يواجه أخاه، وماضيه، وخداعه، وذاته، وإلهه، ويخرج من الليل باسم جديد وعرج لا يفارقه. والطريف أن بعض الناس يتركون الإيمان، لكن الأصوليّة ترفض أن تتركهم. فيتغيّر الجواب، وتبقى طريقة القراءة كما هي.
المرجع:
David W. Cotter, O.S.B., Genesis, Berit Olam: Studies in Hebrew Narrative and Poetry (Collegeville, MN: Liturgical Press, 2003), 245–248.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





