هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية إحدى أعرق المؤسسات الوطنية والدينية، وقد استطاعت عبر قرون طويلة أن تحافظ على وحدتها بفضل التوازن الدقيق بين سلطتها الروحية والإدارية، وهو ما يفرض عند الحديث عن إعادة تفعيل المجلس الملّي العام ضرورة الانطلاق من رؤية قانونية ومؤسسية حديثة تستند إلى لوائح الكنيسة وقرارات المجمع المقدس، بعيدًا عن استدعاء صراعات الماضي أو إعادة إنتاجها.
ومع كل حدث كنسي مهم، يتجدد الحديث عن المجلس الملّي العام، رغم أن آخر تشكيل قانوني له انتهت مدته في شهر أبريل 2011، ولم تجر انتخابات جديدة منذ ذلك التاريخ، الأمر الذي يجعل أي بيانات أو قرارات تصدر باسمه فاقدة للسند القانوني ولا تمثل الكنيسة أو الأقباط قانونًا.
ولا خلاف على أن فكرة وجود هيئة من العلمانيين لمعاونة الكنيسة في الجوانب الإدارية والمالية ليست فكرة مستحدثة، إذ صدر أول قرار بتشكيل المجلس الملّي في عهد الخديو توفيق سنة 1874، غير أن التجربة التاريخية كشفت أن العلاقة بين المجلس والسلطة الكنسية مرت بمراحل من التعاون أحيانًا، وبمراحل من الخلاف الحاد أحيانًا أخرى، وكان السبب الرئيس في معظم تلك الأزمات غياب الحدود الفاصلة بين الاختصاصات الروحية والاختصاصات الإدارية.
أولاً: الأساس الكنسي لاختصاص المجمع المقدس.
تؤكد لوائح الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وما استقر عليه النظام الكنسي، أن المجمع المقدس هو السلطة العليا في كل ما يتعلق بالإيمان والعقيدة والطقوس والتعليم الكنسي والأحوال الرعوية، وهو ما رسخته اللائحة الداخلية للمجمع المقدس، فضلاً عن القرارات المجمعية المتعاقبة التي أكدت أن كل ما يمس العقيدة أو النظام الكنسي أو الخدمة الروحية يدخل في الاختصاص الأصيل للمجمع المقدس وحده، باعتباره الامتداد القانوني والتاريخي للمجامع الكنسية الرسولية.
كما استقر العمل الكنسي على أن البابا، بصفته رئيسًا للمجمع المقدس، يمارس اختصاصاته في إطار قرارات المجمع، بما يحقق وحدة الكنيسة ويحافظ على سلامة العقيدة والنظام الكنسي.
ومن ثم، فإن أي تنظيم جديد للمجلس الملّي يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة الجوهرية، وهي أن الاختصاص الروحي اختصاص حصري للمجمع المقدس لا يجوز مشاركته أو الانتقاص منه بأي صورة لأن الاختصاص فيها يرتبط بحماية العقيدة والنظام الكنسي، ويترتب على مخالفته البطلان.
ومن ثم فإن أى لائحة مستقبلية للمجلس الملّى يجب أن تنص صراحة على أن جميع المسائل الداخلة فى النظام العام الكنسي تظل خارجة عن اختصاص المجلس، ولو اتفق جميع أعضائه على خلاف ذلك.
ثانيًا: الطبيعة القانونية للمجلس الملّي.
الأصل في المجلس الملّي أنه هيئة معاونة، وليس سلطة موازية للمجمع المقدس أو لقداسة البابا.
فوظيفته التاريخية انحصرت في إدارة الأموال والأوقاف وبعض الشؤون المدنية والإدارية التي لا تتعلق بالعقيدة أو الأسرار الكنسية أو السلطة الرعوية.
ومن ثم، فإن إعادة انتخاب المجلس يجب ألا تكون مجرد إعادة لإحياء مؤسسة تاريخية، وإنما إعادة تأسيسها وفق فلسفة إدارية حديثة تتوافق مع واقع الكنيسة في القرن الحادي والعشرين.
ثالثًا: ضرورة إصدار لائحة جديدة.
من الناحية القانونية، فإن إعادة انتخاب المجلس دون تعديل شامل للائحة المنظمة له قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشكلات التاريخية ذاتها.
ولهذا، فإن الخطوة الأولى ينبغي أن تتمثل في دعوة المجمع المقدس إلى تشكيل لجنة مشتركة تضم:
١- أعضاء من المجمع المقدس.
٢- خبراء قانونيين.
٣- متخصصين في الإدارة والحوكمة.
٤- عددًا من الشخصيات القبطية ذات الخبرة.
لتتولى إعداد لائحة جديدة للنظام الأساسي تتوافق مع المتغيرات الحديثة.
رابعًا: تحديد الاختصاصات على سبيل الحصر.
ومن أهم الضمانات القانونية التي ينبغي النص عليها أن تكون اختصاصات المجلس واردة على سبيل الحصر، بحيث لا يجوز التوسع فيها بطريق التفسير.
ويقترح أن تشمل الاختصاصات:
١-إدارة أموال الكنسية.
٢- إعداد الموازنة العامة للجهات التابعة وفق الضوابط الكنسية.
٣- مراجعة الحسابات والرقابة المالية.
٤- اقتراح خطط الاستثمار الآمن لأموال الكنيسة.
٥- تطوير النظم الإدارية.
٦- التحول الرقمي.
٧- الرقابة على تنفيذ المشروعات.
٨- إعداد التقارير الدورية.
ورفع تقارير دورية لقداسة البابا والمجمع المقدس.
وبذلك تتحول العلاقة من علاقة تنازع اختصاص إلى علاقة تكامل مؤسسي.
وفي المقابل، يجب النص صراحة على عدم اختصاص المجلس بأي من الأمور الآتية:
١- العقيدة والإيمان.
٢- الطقوس والأسرار.
٣- الرسامات الكنسية.
٤- الشؤون الرعوية.
٥- التعليم الكنسي.
٦- تشكيل اللجان العقائدية.
٧- العلاقات الكنسية الداخلية والخارجية.
٨- التعيينات الكنسية.
ويكون أي قرار يصدر بالمخالفة لذلك معدوم الأثر قانونًا ولائحيًا.
خامساً: معايير اختيار أعضاء المجلس.
ولضمان نجاح التجربة الجديدة، ينبغي أن تتضمن اللائحة شروطًا دقيقة، من أهمها:
١- حسن السمعة والسيرة.
٢- الخبرة الإدارية أو المالية أو القانونية.
٣- عدم صدور أحكام مخلة بالشرف.
٤- عدم الجمع بين عضوية المجلس وأي منصب قد يسبب تعارض مصالح.
٥- الالتزام بتعاليم الكنيسة.
كما يُستحسن النص على ألا تزيد العضوية على مدتين انتخابيتين متتاليتين، بما يحقق تداول المسؤولية وإعداد قيادات جديدة، ويمنع احتكار العمل العام.
سادساً : مبادئ الحوكمة والشفافية.
أصبحت الحوكمة اليوم معيارًا عالميًا لنجاح المؤسسات.
ومن ثم، فإن اللائحة الجديدة ينبغي أن تتضمن:
١- الإفصاح المالي السنوي.
٢- مراجعة الحسابات بواسطة جهات متخصصة.
٣- مدونة للسلوك المهني.
٤- قواعد تضارب المصالح.
٥- آليات واضحة للمساءلة.
٦- معايير تقييم الأداء المؤسسي.
وبذلك تصبح الإدارة أكثر احترافية وأكثر قدرة على خدمة الكنيسة.
سابعاً : هل يحتاج المجلس إلى تغيير اسمه؟
إن مدلول لفظ “المجلس الملّي” نشأ فى ظل تنظيم قانونى وتاريخى يختلف عن البناء المؤسسى الحالى للكنيسة، وأصبح لا يعكس على وجه الدقة طبيعة الاختصاصات المقترحة، إذ يوحى بوجود هيئة ذات ولاية عامة، فى حين أن التصور الحديث يقوم على هيئة ذات اختصاص نوعى محدد فى الشؤون الإدارية والمالية. ومن ثم فإن إعادة التسمية ليست تغييرًا شكليًا، بل وسيلة لإزالة اللبس وتحقيق اليقين القانونى بشأن نطاق الولاية.
ولذلك قد يكون من الملائم إعادة النظر في التسمية بما يعكس طبيعة الاختصاص الحقيقي،
واقترح تغيير اسمه إلى “المجلس الأعلى للشؤون الإدارية والمالية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية”، لأنه يحدد طبيعة الاختصاص بدقة، ويزيل أي لبس قد يوحي بوجود سلطة موازية للمجمع المقدس.
ثامناً : التكامل لا التنافس.
إن الإدارة الكنسية ليست ساحة لتوزيع السلطات، وإنما منظومة متكاملة لخدمة الكنيسة.
فالمجمع المقدس يقود السفينة روحيًا، بينما يتولى المجلس — إذا أعيد تنظيمه — تقديم الخبرة الإدارية والمالية اللازمة لدعم رسالة الكنيسة تحت رئاسة قداسة البابا والمجمع المقدس.
وعندما يلتزم كل طرف بحدود اختصاصه، تتحول العلاقة إلى نموذج مؤسسي ناجح يقوم على التكامل المؤسسي لا التنافس، وعلى الشراكة لا الصراع.
تاسعًا: البعد الروحي… أساس كل تنظيم.
ومهما بلغت دقة اللوائح أو إحكام النصوص القانونية، فإنها تظل عاجزة عن تحقيق غايتها إذا غابت روح المحبة والاتضاع والعمل المشترك.
فالكنيسة ليست مؤسسة إدارية فحسب، بل هي جسد المسيح، الذي يعمل فيه كل عضو وفق موهبته دون أن ينازع الآخر وظيفته، تحقيقًا لقول الرسول بولس:“فَإِنَّ الْجَسَدَ أَيْضًا لَيْسَ عُضْوًا وَاحِدًا بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ.” (1 كورنثوس 12: 14)
“لِيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ.” (1 كورنثوس 14: 40)
ومن ثم، فإن التكامل بين المجمع المقدس والهيئة الإدارية المقترحة ليس مجرد تنظيم قانوني، وإنما هو تعبير عن وحدة الجسد الواحد، بحيث يعمل الجميع بروح الفريق الواحد، كلٌ في حدود رسالته واختصاصه، من أجل خدمة الكنيسة، وصون وحدتها، وتعظيم رسالتها الروحية والوطنية.
وفي تقديري الشخصي: إن إعادة إحياء المجلس الملي بصورته التاريخية لن تحقق الغاية المرجوة إذا لم تسبقها مراجعة شاملة للائحة المنظمة له، تستند إلى مبادئ الحوكمة الحديثة، وتحدد الاختصاصات على سبيل الحصر، وتمنع أي تداخل مع الاختصاص الأصيل للمجمع المقدس.
فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الماضي، وإنما بناء نموذج مؤسسي جديد يجمع بين أصالة النظام الكنسي ومتطلبات الإدارة الحديثة، بحيث يكون المجمع المقدس هو المرجعية العليا في كل ما يتعلق بالإيمان والعقيدة والرعاية، بينما تتولى الهيئة الإدارية المختصة إدارة الموارد والشؤون المالية والإدارية في إطار من الشفافية والمساءلة والتكامل.
وعندما تتكامل الحكمة الروحية مع الكفاءة الإدارية، تتحقق الغاية المنشودة، وتزداد الكنيسة قوة ووحدة، وتظل شاهدًا حيًا على أن العمل المشترك، القائم على احترام الاختصاصات وروح المحبة، هو الطريق الأمثل لصيانة المؤسسة الكنسية وخدمة رسالتها عبر الأجيال.





