القمص يوحنا نصيف
 بعد العشاء الأخير، وقبل أن يخرج مع تلاميذه إلى بستان جسثيماني، قال الربّ يسوع لهم: "حِينَ أَرْسَلْتُكُمْ بِلَا كِيسٍ وَلَا مِزْوَدٍ وَلَا أَحْذِيَةٍ، هَلْ أَعْوَزَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالُوا: لَا. فَقَالَ لَهُمْ: لَكِنِ الْآنَ، مَنْ لَهُ كِيسٌ فَلْيَأْخُذْهُ وَمِزْوَدٌ كَذَلِكَ. وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَلْيَبِعْ ثَوْبَهُ وَيَشْتَرِ سَيْفًا. لِأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هَذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ. فَقَالُوا: يَارَبُّ، هُوَذَا هُنَا سَيْفَانِ. فَقَالَ لَهُمْ: يَكْفِي!" (لو22: 35-38). 
 
    يَشرَح القدّيس كيرلّس الكبير هذه الفقرة بطريقة جميلة جدًّا، انتقيت في هذا المقال بعضَ فقراتٍ من هذا الشرح:
 غَرَسَ موسى المبارك خوف الله في بني إسرائيل، بقوله لهم: "مَخوفٌ هو الوقوع في يديّ الله الحيّ، لأنّ إلهنا نارٌ آكِلة" (تث4: 24، عب10: 31).. لأنّه ما هي قوّة الإنسان، أو كيف يمكن لأيّ قوّة مخلوقة مهما كانت أن تقِف مقابِل قوّة الله الإله القدير التي لا تُقهَر؟ ولكن غضبه لا ينزل إطلاقًا على الرجل البار، لأنّ الله لا يُمكِن أن يَظلِم، إنّما غضبه بالأحرى على أولئك الذين خطاياهم عديدة وغير محتمَلة، وشرورهم تفوق الحدود.
 
وكَمَثَلٍ لِما قُلناه، فلنأخُذ ما حدث مع جموع اليهود.. إنّ الله الآب أرسل لهم ابنه يدعوهم إلى خدمة أسمى من الناموس، وإلى معرفة كلّ صلاح، وهو أرسله ليحرّرهم من كلّ إثم، ويخلّصهم من وصمة الخطيّة، وليأتي بهم إلى تبنِّي البنين، وإلى المجد، وإلى الكرامة، وإلى شركة الروح القدس، وإلى الحياة التي لا تفنَى، وإلى مجد لا ينتهي، وإلى ملكوت السموات.
 
  ومع أنّه كان من واجبهم أن يُسرِعوا بلهفة إلى هذه النعمة، ويُكرِموا بتسابيح الشكر مَن أتى ليساعدهم، وأن يَقبَلوا بفرحٍ النعمة التي بالإيمان، إلاّ أنّهم في الواقع لم يَفعلوا شيئًا من هذا، بل فعلوا العكس تمامًا، لأنّهم قاموا ضدّه، واعتبروه كلا شيء بعدم طاعتهم، وحتّى آياته الإلهيّة كانوا يَغارون منها، وبعد أن عملوه وقالوا كلّ شيء رديء عليه، فإنّهم صلبوه في النهاية. وهكذا صار نصيبهم أن يُقاسوا تلك الأمور التي صرّح بها جماعة الأنبياء القدّيسين مِن قبْل.. لأنّهم سُلِّموا إلى خراب، وتشتّتوا في الأرض كلّها، والتهمت النار هيكلهم، وسُبِيَ جميع اليهود.
 
إنّ المُخَلِّص أرسل رسله القدّيسين، وأوصاهم أن يكرزوا لسُكّان كلّ قرية ومدينة بإنجيل ملكوت السموات، وأن يشفوا كلّ ضعف وكلّ مرض في الشعب، ومنعهم أن يشغلوا أنفسهم بالأمور التي تخصّ الجسد، بل بالأحرَى ألّا يحملوا كيسًا ولا أيّ شيء يعوقهم، بل أن يَضعوا كلّ اتّكالهم -فيما يخصّ طعامهم- عليه.
 
 وهذا ما فعلوه، فجعلوا أنفسهم مثالًا للسلوك الرسولي الممدوح. ولكنّه يقول: "الآن مَن له كيس فليأخذه، ومزود كذلك". أخبِرني إذن، هل كان هذا بسبب أنّ الربّ غَيَّر كلامه، فابتكر أفكارًا أكثر نفعًا لهم؟ وهل كان من الأفضل في الظروف الأُولى أن يكون لهم كيس ومزود؟ وإن كان لا، فما الداعي إلى هذا التغيير المُفاجئ؟ وما هو احتياج الرسل القدّيسين للكيس وللمزود؟ إيّة إجابة نعطيها عن ذلك؟
 
إنّ القول كما يبدو ظاهريًّا يشير للتلاميذ، ولكنّه في الواقع ينطبق على اليهود؛ فهؤلاء هم الذين كان المسيح يوجِّه إليهم الخطاب. لأنّه لم يَقُلْ إنّه ينبغي على الرسل القدّيسين أن يأخذوا كيسًا ومزودًا، ولكن "مَن له كيس أو مزود فليأخذه"، ويعني بذلك أنّ مَن له ممتلكات خاصّة في إقليم اليهوديّة، فعليه أن يَجمَع كلّ شيء ويهرب، حتّى يمكنه بأيّ طريقة أن ينجِّي نفسه. أمّا مَن ليس له الوسائط لتجهيز نفسه للرحيل، بسبب شدّة فقره، فيَلزَمه أن يَبقَى في الأرض. يقول أنّ مِثْلَ هذا "ليَبِع ثوبه ويشتَرِ سيفًا".. لأنّ الحرب سوف تحلّ بهم بعُنفٍ لا يُحتَمَل، ولا يستطيع أحدٌ أن يقف ضدّها.
 
    + بخصوص التنبّؤ عن هذه الأمور، فالمُخَلِّص كان يتكلّم عَمّا كان وشيكًا أن يَحدُث لبلاد اليهود. لكنّ التلاميذ الإلَهيّين لم يفهموا المَعنى العميق لِما قيل، بل ظنّوا بالحريّ أنّه يقصِد أنّ السيوف ضروريّة بسبب الهجوم الوشيك أن يعمله التلميذ الذي خانه وأولئك الذي اجتمعوا للقبض عليه، لذلك قالوا: "يا ربّ هوذا هنا سيفان". وماذا كانت إجابة السيّد؟ "يكفي". لاحِظْ كيف أنّه سَخر من قولهم، إذ كان يعرف جيّدًا أنّ التلاميذ إذ لم يفهموا معنى ما قيل، فإنّهم ظنّوا أنّه يوجَد احتياج للسيوف بسبب الهجوم الوشيك عليه هو نفسه.
 
 أمّا هو، وقدّ ثبّت نظره على تلك الأمور المُزمِع أن تقع وشيكًا على اليهود بسبب سلوكهم الشرّير تجاهه، فإنّ المخلِّص -كما قلتُ- سخر من قولهم وقال: "يكفي". نعم بالحقّ، هل يكفي سيفان لاحتمال وطأة الحرب العظيمة والوشيكة أن تحدث لهم، هذه التي لم تَكُن تنفع فيها آلاف السيوف. إنّ كبرياء اليهود جعلهم يُقاومون مقاومةً عنيفة ضدّ قوّات أُوغسطس قيصر، ولكنّهم لم ينتفعوا شيئًا، لأنّهم حُوصِروا بقوّة فتّاكة، وقاسوا كلّ بؤس.. لذلك ليتنا نحترس لئلّا نثير غضب الله، لأنّه أمر مخيف هو الوقوع يديه. أمّا الذين يؤمنون بالمسيح فهو رحيم بهم.
 
 [عن تفسير إنجيل لوقا للقدّيس كيرلّس السكندري (عظة 145) - إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائيّة - ترجمة الدكتور نصحي عبد الشهيد]