دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية- شيكاجو
يرسم لنا الأصحاح الثالث من سفر صموئيل الأول مشهدًا يبدو للوهلة الأولى وكأنه إعلان عن نهاية كل رجاء. يقول الوحي الإلهي:
«وَكَانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَزِيزَةً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. لَمْ تَكُنْ رُؤْيَا كَثِيرًا… وَعَيْنَا عَالِي ابْتَدَأَتَا تَضْعُفَانِ. لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُبْصِرَ… وَقَبْلَ أَنْ يَنْطَفِئَ سِرَاجُ اللهِ…» (١ صموئيل ٣: ١-٣).
ما أغمق هذه الصورة! كلمة الرب أصبحت نادرة، والرؤى قليلة، وعينا عالي الكاهن قد ضعفتا، وسراج الله يكاد ينطفئ. وفي عين الإنسان، انتهى كل شيء، وضاع الرجاء.
لكن الله لا يكتب التاريخ كما يراه البشر، لأن الكلمة الأخيرة ليست للظلام، بل للنور؛ وليست لليأس، بل للرجاء.
ففي اللحظة ذاتها التي أوشك فيها سراج عالي الكاهن أن ينطفئ، يقول الكتاب:
«دَعَا الرَّبُّ صَمُوئِيلَ» (١ صموئيل ٣: ٤).
يا لها من لمسة إلهية رائعة! قبل أن ينطفئ السراج، كان الله قد بدأ بالفعل إشعال نور جديد. فما يراه الإنسان نهاية، يراه الله بداية. وما يبدو لنا طريقًا مسدودًا، يراه الرب بابًا لعمل جديد.
ولم يكن الأمر مجرد دعوة واحدة، بل دعا الرب صموئيل أربع مرات. في المرات الثلاث الأولى، كان الغلام الأمين يظن أن عالي هو الذي يناديه، فيجري إليه قائلًا:
«هأَنَذَا، لأَنَّكَ دَعَوْتَنِي» (١ صموئيل ٣: ٥).
كان صموئيل مخلصًا في خدمته، لكنه لم يكن قد تعلّم بعد أن يميّز صوت الله. ولم يوبخه الرب، ولم يتوقف عن مناداته، بل ظل يدعوه مرة بعد مرة، في صبر عجيب ومحبة فائقة.
وحين أدرك عالي أن الرب هو الذي يدعو الغلام، قال له:
«اذْهَبِ اضْطَجِعْ، وَيَكُونُ إِذَا دَعَاكَ أَنْ تَقُولَ: تَكَلَّمْ يَا رَبُّ، لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (١ صموئيل ٣: ٩).
ثم جاءت اللحظة الفاصلة:
«فَجَاءَ الرَّبُّ وَوَقَفَ، وَدَعَا كَالْمَرَّاتِ الأُوَلِ: صَمُوئِيلُ، صَمُوئِيلُ. فَقَالَ صَمُوئِيلُ: تَكَلَّمْ، لأَنَّ عَبْدَكَ سَامِعٌ» (١ صموئيل ٣: ١٠).
كم هو مُعزٍ أن نرى أن الله لم يفشل في الوصول إلى صموئيل، ولم يتخلَّ عنه لأنه لم يفهم صوته منذ البداية. بل استمر في مناداته حتى تعلّم كيف يسمع.
وهكذا يتعامل الرب معنا أيضًا. فقد نخطئ في تمييز صوته، أو تختلط علينا الأصوات، أو تعوقنا ضوضاء العالم، لكن محبته أعظم من ضعفنا، وصبره أطول من بطئنا. إنه لا يكف عن النداء حتى تتفتح آذان القلب، فنجيبه قائلين: «تكلّم يا رب، لأن عبدك سامع.»
ولعل هذا هو ما أكده الرب يسوع حين قال:
«خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي» (يوحنا ١٠: ٢٧).
فالله لا يزال يتكلم، ولا يزال يدعو، ولا يزال يصنع بدايات جديدة حتى في أكثر الأوقات ظلمة.
لذلك، إذا بدا لك اليوم أن السراج أوشك أن ينطفئ، فلا تستسلم لليأس. فقد تكون هذه هي اللحظة نفسها التي يبدأ فيها الله عملًا جديدًا في حياتك.
فالرب الذي دعا صموئيل وسط ندرة الكلمة، هو نفسه القادر أن يفتقدك وسط جفاف الأيام، ويقيم في قلبك نورًا لا ينطفئ.





