حمدى رزق
خطابٌ وجَّهه ناظر الخاصة الملكية «مراد محسن باشا» إلى رئيس الوزراء «حسين سرى باشا» فى ٦ فبراير ١٩٤١م، قال فيه: إن الملك يتبرع بمبلغ ألفى جنيه لصالح من يمشون حفاةً لرقة حالهم، وذكر رئيس الوزراء وقتها لمندوبى الصحف أن التبرع بمناسبة عيد ميلاد الملك. فاروق الأول مولود فى ١١ فبراير ١٩٢٠م.
بالمناسبة، هذا مشروع قومى، تخيل كنه المشروعات القومية فى عصر مصر الملكية، هذا المشروع وحده كافٍ لتقوم ثورة على كل ما تمثله الملكية التى إليها يحنون، وبمآثرها يسبحون، وريحها يتنسمون، وبأغانيها تلهج ألسنتهم: «يا سنى التاج عالى اللواء».
وأزيدك من الشعر فى الملكية بيتًا، تبنى الشيخ أحمد حسين مع فتحى رضوان «مشروع القرش» سنة ١٩٣١م، وذلك لحث كل مواطن مصرى على أن يتبرع بقرش واحد لإنقاذ الاقتصاد المصرى، الذى كان يعانى آنذاك من آثار انخفاض أسعار القطن فى الأسواق.
ويحدثك عن الملكية، ونعيمها، وعظمتها، وبنيتها الاقتصادية، أخشى ما يعانيه البعض فى يوليو من كل عام من نوبات نوستالجية، عرض لمرض نفسانى، والنوستالجيا تعنى الحنين إلى ماضٍ تولى، وشوقًا إلى عصور خلت. شهر يوليو، الذى يلملم أيامه ويرحل سريعًا، شهر النوستالجيا بامتياز، هناك من يحن إلى أيام الملكية التى أطاحتها ثورة يوليو، على طريقة، «ما بين بعدك وشوقى إليك، دليلى احتار»، بصوت كوكب الشرق أم كلثوم.
أربعة وسبعون عامًا مضت على ثورة يوليو وسقوط الملكية، ولا يزال هناك من يرتدى مسوح الملكية، ويتنسم طلعة الملك البهية، ويهبلنا بحديث مخاتل عن عظمة مصر الملكية، وتنزيه الملكية والملك عن كل عيب ونقص، ويسبح باسم الملك، وكأن الملك كان قائمًا يصلى فى المحراب، ويسهر على أمن البلاد وراحة العباد فى الوسايا والإقطاعيات.
وبزيادة يلعن على السبحة الكهرمان فى يده الجمهورية، وأيام الجمهورية، القديمة وبالمرة الجديدة، ويخلص ثارات ملكية مستبطنة، وحديث التأميم والمصادرات يسرى، هناك من يعانى حنينًا مذلا إلى الملكية، يعانى من نوستالجيا ملكية باللونين الأبيض والأسود.
مهضوم من أبناء وأحفاد النبلاء والأمراء والتابعين من بقايا الإقطاع والرأسمالية المتوحشة البكاء على أطلال الملكية، النوستالجيا تعمل أكثر من كده، ولكن نزوع نفر من أبناء الجمهورية، ممن تربوا فى أكناف الجمهورية، ورضعوا لبان الجمهورية مع لبن الرضاعة، ورسمتهم الجمهورية مواطنين كاملى الأهلية، وأتاحت لهم من الحقوق والوظائف والمواقع ما كان حكرًا ووقفًا على الخاصة الملكية، هذا والله لمن عجائب الأمور.
المنقلبون يتبعهم الغاوون، ما ولاهم عن الجمهورية التى فى أعطافها يتمرغون؟ دليلى احتار وحطيت صوابعى العشرة فى الشق.
هل كانت مصر الملكية تتسع لأحلام البسطاء من الفلاحين والعمال والطيبين؟
هل كانت الملكية رحيمة بذوى الحاجات؟
هل وفرت لهم الدواء والكساء؟
تسمع عن عصر الملكية الزائل ما يندى له الجبين من العسف والظلم للمصريين، وصاح من الشعب صوت طليق، قوى، أبى، عريق، عميق، وقال فيهم خالد الذكر جمال عبد الناصر قولته الخالدة: «ارفع رأسك يا أخى، فقد مضى عهد الاستعباد». ورفع المصريون رأسهم عاليًا، ولا يزالون مرفوعى الرأس، وبرغم الحزن الساكن فينا ليل نهار، وبرغم الريح، وبرغم الجو الماطر والإعصار، ثورة يوليو ستبقى، يا ولدى، أحلى الأقدار.
نقلا عن المصرى اليوم





