وجيه وهبه

منذ بضعة أيام رحل عن عالمنا من وصف نفسه ببلاغة دالة وإيجاز بقوله «هانى شنودة صنع فى مصر». (مواليد «طنطا»). ولقد كان «هانى» فناناً مجدداً، وتعد أعماله إضافة متميزة فارقة، فى تاريخنا الموسيقى والغنائى، وتاريخ من لحن لهم، منذ تأسيسه لفرقة «المصريين» فى أواخر سبعينيات

 

القرن الماضى. تلك الفرقة التى مثلت ظاهرة فريدة من نوعها فى ذلك الوقت، وذلك بما استحدثته من أساليب موسيقية جديدة، فلم تكن فرقة «المصريين» ــ ولاختيار الاسم دلالته ــ مجرد فرقة تستهدف مواصلة رحلة الغناء من منطلق «هذا ما وجدنا عليه آباءنا»، بل كانت فرقة تغامر بلغة موسيقية جديدة،

 

أبدعها مؤسسها مستفيداًــ فضلاً عن موهبته الفطرية ــ بدراسته للعلوم الموسيقية وأساليبها الشرقية والغربية. وبالطبع كان اختيار كلمات الأغانى لابد أن يكون مواكباً لتلك الرغبة فى التجديد ومواكبة روح العصر، فكان اللجوء إلى عبقرية مخضرمة مثل «صلاح جاهين» بعمق وبساطة كلماته فى آن. بالإضافة إلى كلمات ومعانٍ جديدة أبدعها شباب فى مقتبل عمرهم، مثل الشاعر الراحل «عصام عبدالله»، هذا الذى تحول من كتابة الشعر العمودى إلى كتابة الأغانى بالعامية المصرية، من أجل «المصريين».

 

ودفعت نجاحات «المصريين» العديد من الشباب لتكوين فرق غنائية مشابهة، سارت على هداها فى مغامرة التجديد. وعلى الرغم من إقبال الجماهير العريضة على فن «هانى شنودة» منذ ما يقرب من نصف القرن، فإن اعتراف المؤسسة الرسمية به، قد تأخر كثيراً، إذ حصل على جائزة الدولة التقديرية منذ نحو ثلاثة أعوام فقط، ربما منحوها له خجلاً، بعد أن تم تكريمه فى احتفال كبير فى مهرجان «الرياض» بالمملكة العربية السعودية، وللمملكة كل الشكر والعرفان. وتبقى هناك الكثير من علامات استفهام وعلامات التعجب عن أسباب هذا التأخر المريب عن تكريمه فى بلده، بل ولم يتم تدارك هذا التأخير بإعطائه «جائزة النيل الكبرى» مثلاً، وهو مستحق لها بجدارة ــ وقد حصل عليها من قبل من كانت مساهماتهم فى المشهد الفنى والثقافى المصرى، أقل كثيراً جداً من مساهمته ــ واكتفوا بمنحه الجائزة التقديرية ــ ربما على مضض ــ وكان «هانى» قانعاً راضياً بتكريم وطنه فخوراً به أكثر من أى تكريم آخر، على حد قوله.

 

تبدت براعة «هانى شنودة» الملحوظة فى القدرة على التعامل مع مطربين من مختلف الأجيال، من الشباب المجهولين، حتى الكبار المتمرسين الراسخين، مثل «فايزة أحمد» و«نجاة». كذلك تنوعت أساليبه اللحنية، بين العاطفى والاجتماعى والشعبى، ومن ينسى لحنه الشهير لأغنية أسطورة الغناء الشعبى «أحمد عدوية»، أغنية «زحمة».

 

بالإضافة إلى التجديد الموسيقى الذى أحدثه «هانى شنودة»، فى الغناء الجماعى، وفرقة «المصريين»، لعب «هانى» دوراً محورياً فى اكتشاف وتسليط الضوء على أصوات بازغة، فى مقتبل حياتها، من أمثال «محمد منير» و«عمرو دياب»، وغيرهما. ممن أصبحوا نجوماً لهم مكانتهم المتميزة فى عالم الغناء. أما عن الموسيقى التصويرية للأفلام، فحدث ولا حرج، عن بصمته الملحوظة فى عشرات الأفلام.

 

تواكب تأسيس «هانى شنودة» لفرقة «المصريين»، مع تصاعد تيارات «الإسلام السياسى» واختراقها للأوساط الشبابية، فى الجامعات وكافة المؤسسات التعليمية، وذلك فى شكل تنظيمات مثل، «جماعة الإخوان المسلمين»، و«الجماعة الإسلامية»، وغير ذلك من مسميات تنظيمات «الإسلام السياسى المتسلط». ولكأنما كانت فرقة «المصريين» أداة من أدوات مقاومة القبح والتطرف فى أوساط الشباب، عبر الفن الراقى. ويشهد تاريخ تلك التنظيمات على ممارستها الفظة، واستخدامها للعنف فى منع أنشطة الطلاب الفنية والثقافية، وفى القلب منها الموسيقى والغناء. وكان «هانى» وفرقته ممن عانوا من عسف وعنف تلك التنظيمات.

موسيقى «هانى شنودة»ــ كما وصفها الناقد والمؤرخ الموسيقى الموسوعى الكبير «محمد درويش» (المونش) ــ موسيقى مجددة من منظور يرفض القطيعة المعرفية مع التراث المصرى والعالمى.

 

هناك أوجه عديدة للفنان «هانى شنودة» ربما لم يعرفها جمهور الموسيقى والغناء، منها تمتعه بقدر ملحوظ من الثقافة، خصوصاً التاريخية والعلمية. ومنها أيضاً هواية الرسم، الذى مارسه بدرجة إجادة ملحوظة، ولكن يبدو أنه اكتفى بأن يرى ميوله الفنية التشكيلية وقد انتقلت وازدهرت فى لوحات ابنه الفنان «نادر» وابنته الفنانة «دينا». كما لا يمكن إغفال خفة ظل «هانى شنودة»، وهو على الرغم من معاناته من بعض الهموم الشخصية ــ التى لم يكن يحب أن يزعج بها أصدقاءه ــ كان مشعاً للبهجة أينما حل، وتزخر المجالس بتعليقاته الساخرة، الطريفة اللماحة، التى ربما لا ينافسه فيها وفى سرعتها، إلا عازف البيانو العالمى «رمزى يسى». ويبدو أن هناك علاقة ما بين «خفة الظل» الذكية، ومستويات الإجادة العليا.

شارع «هانى شنودة»

ولأن «الشوارع حواديت» كما قال «صلاح جاهين»، فإن حدوتة «هانى شنودة» تشغل شارعاً عريضاً ممتداً فى تاريخ تجديد الموسيقى والغناء المصرى. مرصوفاً بأبرع المعانى والكلمات، فمن أقل حقوقه علينا أن نسمى شارعاً باسمه، ليس تخليداً له ــ فأعماله كفيلة بذلك ــ بقدر ما هو تعبير عن معانٍ كثيرة، تتضمن امتنانا له ولدوره، كمجدد، وكجزء من القوة الناعمة المصرية. ولنردد مع فرقة «المصريين» مقطعاً من أغنية «ابدأ من جديد»، من ألحانه وكلمات د. هانى زكى.

مهما كان حلمك بعيد.. مهما كان صعب عليك

حتى فى نهاية الطريق، إبدأ من جديد

فى حاجات كتير بين إيديك.. الكون أسرار عايشة فيك

والشمس الصبح بتناديك.. بتقول لك إبدأ من جديد

 

wageehwahba1@gmail.com

نقلا عن المصرى اليوم