روبير الفارس

لا يمكن أن يمر بيان وزارة الشباب والرياضة بشأن واقعة الطفل مكاري وما حدث معه في نادي الاتحاد السكندري مرور الكرام. فهذا ليس مجرد بيان إداري عابر، بل موقف رسمي يُبنى عليه، لأنه يؤكد بوضوح رفض الدولة لأي شكل من أشكال التمييز في المجال الرياضي ضد الأقباط، مهما كانت الحجج أو التبريرات، حتى لو حاول البعض تقديم الأمر باعتباره «دعابة» بسبب الاسم أو غير ذلك. او عبث مطالبة البعض بتغير اسماء الأقباط لأنها بتفرق معا ؟!

وعقب التحقيق، أعلنت الوزارة، أن اللجنة التي شكّلتها مديرية الشباب والرياضة بالإسكندرية استمعت إلى عدد من الشهود، وراجعت تفاصيل الواقعة، لتخلص إلى ثبوت ارتكاب المدرب المخالفة المنسوبة إليه.

وبناءً على ذلك، وجّهت الوزارة نادي الاتحاد السكندري إلى فتح تحقيق فوري مع المدرب واتخاذ الجزاء المناسب بحقه، مع رفع نتائج التحقيق والعقوبات المتخذة إلى الوزارة خلال مدة لا تتجاوز 48 ساعة. كما قررت إحالة الملف إلى النيابة العامة لاتخاذ ما تراه مناسبًا وفقًا للقانون.

وشددت الوزارة في بيانها على أنها لن تتسامح مع أي ممارسة تنطوي على تمييز أو إخلال بمبدأ العدالة داخل المؤسسات الرياضية، مؤكدة تطبيق أقصى العقوبات التي تسمح بها اللوائح، فضلًا عن إحالة أي وقائع مماثلة إلى النيابة العامة متى توافرت شبهة جنائية.

وهنا تأتي أهمية البيان. فالأقباط دفعوا كثيرًا، وعلى مدى سنوات طويلة، ثمن التمييز والتعصب والتعامل معهم أحيانًا بمنطق «الفاسوخة».

و«الفاسوخة» هنا ليست مجرد كلمة ساخرة، وإنما طريقة تفكير كاملة. أن يُسمح للقبطي بالدخول إلى مؤسسة لمجرد أن يقال إنه موجود، لا لأنه يستحق، ولا لأنه مواطن كامل الحقوق. أن يُمنح مكانًا باعتباره استثناءً، أو يُستبعد باعتباره مشكلة، أو تُطلق عليه شائعة فتتحول الشائعة إلى قرار، والقرار إلى ظلم، والظلم إلى حياة كاملة من المعاناة.

وقد أدهشني، حوار للموسيقار الكبير هاني شنودة، الذي رحل عن عالمنا الأسبوع الماضي، مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي». تحدث شنودة عن واقعة تكشف إلى أي مدى يمكن أن يتحول الجهل والتعصب والشائعات إلى أدوات لهدم حياة إنسان.

فقد أُشيعت عنه، في التليفزيون المصري، شائعة تقول إنه ابن البابا شنودة الثالث، وذلك في فترة الخلاف بين الرئيس السادات والبابا شنودة. وبسبب هذه الشائعة، مُنع هاني شنودة من العمل، حتى وصل به الحال إلى أن كاد يبيع أثاث منزله.

ولولا موقف المخرج المحترم محمد نبيه، الذي واجه الأمر واصطحب هاني شنودة إلى مسؤول كبير في التليفزيون، ليؤكد له أنه ليس ابنًا للبابا شنودة ولا قريبًا له، لربما استمرت المأساة.

تخيلوا حجم الجهل الذي وصلنا إليه: مسؤول في موقع حساس داخل التليفزيون المصري لا يعرف أن البابا شنودة كان راهبًا، وأن الراهب، بحكم حياته الرهبانية، لا أبناء له!

هل يمكن أن يصدق أحد حجم هذا الجهل بالآخر؟ وكيف يمكن لمعلومة بسيطة كهذه أن تتحول إلى شائعة، ثم إلى قرار، ثم إلى منع من العمل، ثم إلى أزمة اقتصادية وإنسانية كادت تدفع فنانًا كبيرًا إلى بيع أثاث منزله؟

هنا تكمن خطورة «منطق الفاسوخة».

أن يصبح القبطي متهمًا حتى تثبت براءته. أن تكون هويته الدينية أو اسمه  مدخلًا للتشكيك فيه، أو السخرية منه، أو استبعاده، أو التعامل معه باعتباره حالة تحتاج إلى تفسير وتبرير.

ولذلك فإن الاحتفاء بموقف وزارة الشباب والرياضة واللجوء إلى القانون أمر مستحق. ليس لأن الوزارة فعلت شيئًا استثنائيًا، بل لأن تطبيق القانون يجب أن يكون هو القاعدة. لكننا نحتاج إلى أن يدرك المتعصبون أن هناك دولة، وأن هذه الدولة لا ينبغي أن تسمح بإهانة مواطن أو التمييز ضده بسبب اسمه أو دينه أو هويته.

نحتاج إلى أن يفهم الجميع أن «الدعابة» لا تكون دعابة عندما تُستخدم لإذلال طفل، وأن الشائعة ليست مجرد كلام عابر عندما تؤدي إلى حرمان إنسان من عمله، وأن التمييز لا يصبح مقبولًا لمجرد أن أحدهم قرر أن يسميه «هزارًا».

وياريت وزارات ومؤسسات أخرى تحذو حذو وزارة الشباب والرياضة، فتتمسك بالقانون، وترفض تحويل قضايا الفتن الطائفية إلى جلسات صلح عرفية تنتهي غالبًا بتنازل المظلوم عن حقه، بينما يخرج المعتدي وكأن شيئًا لم يحدث.

فلا يمكن أن تكتمل دولة المواطنة بالبيانات وحدها، ولا بالشعارات، وإنما بتطبيق القانون على الجميع، وبأن يعرف كل مواطن أن كرامته وحقوقه ليستا موضوعًا للتفاوض أو «الفاسوخة» أو الجلسات العرفية.

أفيه قبل الوداع

لا يجوز  تجاهل إصابة  الرباط "الصليبي" في الملاعب. او في الحياة بسبب اسمه ولا يجب أن يطالب أحد بتغيير اسم المرض لكي يعالجه
نقلا عن البوابة نيوز