الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد أيامٍ قليلة من رحيل الموسيقار المصريّ هاني شنودة، يستعيد العالم الناطق بالعربيّة اليوم ذكرى مرور عامٍ على رحيل زياد الرحبانيّ عن تسعةٍ وستين عامًا. رحل هاني شنودة في العشرين من يوليو ٢٠٢٦، فكأنّ هذا الشهر جمع في أيامه بين غياب صوتين كبيرين من أصوات الموسيقى العربيّة الحديثة. مضى عامٌ على رحيل زياد الرحبانيّ، ولم يتحوّل صوته إلى ذكرى بعيدة. فلم تزل موسيقاه حاضرةً، وسخريته تقطع ضجيج الخطابات الجاهزة، وشخصيّاته المسرحيّة تخرج من لبنان الصغير لتشبه مدنًا عربية كثيرة، يعيش أهلها بين الفقر والحرب والفساد والانتظار. زياد الموسيقار هو أيضًا مشروعٌ فكريّ وفنيّ متكامل. لقد حمل هموم الناس، وصاغ قهرهم على خشبة المسرح، وعزف تعبهم على البيانو، وكشف بسخريته الصادقة ما تحاول اللغة الرسميّة إخفاءه.
زياد الرحبانيّ من منظورٍ لاهوتيّ
إنّ فنّ زياد نوعٌ من "النبوّة العلمانيّة في قلب الخراب. امتلك زياد وظيفة النبيّ: إزعاج الضمير، وكشف الأكاذيب التي اعتاد المجتمع العيش داخلها، وإعادة وجوه الفقراء والمتألّمين إلى مركز الحكاية، بالفنّ والموسيقى والمسرح. ففي زمن صمتت فيه مؤسسات دينيّة وثقافيّة كثيرة، كان فنّه يقول بطريقته إن الإنسان الموجوع أهمّ من الشعارات، وإن العدالة تُقاس بحياة الناس الذين يسقطون يوميًّا خارج اهتمام السلطة والإعلام. كان فنه ذاكرةً ترفض أن يتحوّل الظلم إلى أمر طبيعي، وتذكّرنا بأن وراء الإحصاءات وجوهًا، ووراء نشرات الأخبار أجسادًا مجروحة، ووراء الكلام عن الوطن أناسًا ينتظرون خبزًا وكرامةً وحياة. لم يستخدم زياد لغة اللاهوت من خلال الكلمات، فقد جعل المسرح موضعًا لسؤالٍ لاهوتيّ عميق: أين الله وسط هذا الخراب؟ مع أصحاب السلطة الذين يتحدثون باسمه، أم مع الذين يسحقهم النظام ثم يطلب منهم الصبر والصمت؟ ظلّ فنّه يجيب، من غير وعظ: الله لا يُبحث عنه في تبرير القهر ولكن في صرخة المقهورين، وفي مقاومة الإنسان لكلّ ما يحطّ من كرامته.
بعد عامٍ على رحيله، نتذكّر أن الفنّ ليس ترفًا، قد يصبح الفنّ مقاومة، والموسيقى ذاكرة. كان زياد يعرف كيف يُضحِك الناس، لكنه لم يمنحهم ضحكًا مريحًا، كانوا يضحكون، ثم يكتشفون أنهم يضحكون على حياتهم، وعلى بلادهم، وعلى نظامٍ عبثيّ صار من شدّة حضوره مألوفًا. مضى عام، ولم تزل كلماته قادرةً على أن تُقلقنا؛ وهذه ربما إحدى علامات الفن الحقيقي: أن يرحل صاحبه، ويبقى العمل قادرًا على طرح الأسئلة التي طالما أجّلها المجتمع.
سلامٌ لروحك يا زياد، يا ابن "الناس"، يا مَن لم تساوم على حقّ الفن في أن يقول ما يجب أن يُقال.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





