ماجد سوس
ليست الوطنية شعارات تُرفع، ولا كلمات تُقال في المناسبات، بل هي قدرة الإنسان على أن يجعل الآخرين يعشقون وطنهم، ويشعرون بأنهم ينتمون إليه بكل قلوبهم. وهذا ما قدَّمه قداسة البابا تواضروس الثاني في لقائه مع أطفال وشباب المصريين المقيمين في الخارج، حين لم يكتفِ بإلقاء محاضرة عن مصر، بل ابتكر أسلوبًا تربويًا حيًّا جعل التاريخ يتحرك أمام أعينهم، وجعل الجغرافيا تنبض بالحياة.
وقف البابا أمام خريطة كبيرة مرسومة على الأرض، ثم بدأ يسير فوقها خطوةً خطوة، يتتبع الطريق الذي سلكته العائلة المقدسة في أرض مصر. لم يكن مجرد شرح لمسار تاريخي، بل كان رحلةً وجدانية أعادت إلى الأذهان أعظم زيارة عرفتها مصر عبر تاريخها؛ زيارة السيد المسيح والسيدة العذراء والقديس يوسف النجار.
كان الأطفال يرون البابا يتحرك على أرض الخريطة، وكأنهم يسيرون معه، فينتقلون من مدينة إلى أخرى، ومن محطة إلى أخرى، حتى شعروا أن مصر ليست مجرد اسم في جواز السفر، بل قصة مقدسة يعيشونها بأنفسهم.
هنا تتجلى عبقرية الفكرة. فالتعليم الحقيقي لا يكتفي بإيصال المعلومة، بل يزرعها في القلب قبل العقل. وقد أدرك البابا تواضروس أن أبناء المصريين في الخارج يحتاجون إلى أكثر من معلومات عن وطنهم؛ يحتاجون إلى أن يشعروا به، وأن يلمسوا تاريخه، وأن يروا بأعينهم لماذا كانت مصر مباركة عبر الأجيال.
لذلك تحولت الخريطة إلى فصل دراسي مفتوح، وتحول الشرح إلى تجربة لا تُنسى، ستبقى راسخة في ذاكرتهم سنوات طويلة.
هذه ليست مجرد وسيلة تعليمية مبتكرة، بل هي رسالة وطنية عميقة. فالذي يحب وطنه لا يترك أبناءه بعيدين عنه، ولا يسمح أن تذوب هويتهم مع مرور الزمن، بل يمد إليهم الجسور أينما كانوا.
وقد أدرك البابا تواضروس أن هؤلاء الأطفال هم سفراء مصر في المستقبل، وأن انتماءهم يبدأ من معرفة أرضهم، والافتخار بتاريخها، والإيمان بأن وطنهم يحمل رسالة فريدة بين الأمم.
لقد كشف هذا المشهد عن بطريرك لا ينظر إلى الكنيسة بمعزل عن الوطن، بل يرى أن محبة الوطن جزء أصيل من المسؤولية الروحية. فمن يحب الإنسان، يحب أيضًا الأرض التي نشأ عليها، ويحافظ على ذاكرتها، ويورثها للأجيال القادمة. ولذلك لم يكن حديث البابا عن العائلة المقدسة حديثًا دينيًا مجردًا، بل كان حديثًا عن مصر التي احتضنت المسيح طفلًا، وفتحت ذراعيها للعائلة المقدسة، فاستحقت أن تُدعى أرض البركة.
ومن يتأمل هذه المبادرة يدرك أن الوطنية الحقيقية ليست ضجيجًا ولا استعراضًا، وإنما هي عمل هادئ يترك أثرًا عميقًا. كان بإمكان البابا أن يكتفي بكلمات جميلة عن حب مصر، لكنه اختار أن يصنع ذكرى لا تُمحى في قلوب الأطفال. وهذا هو الفارق بين من يلقي خطابًا، ومن يبني وجدانًا.
لقد رأينا في تلك اللحظات صورة جميلة لبابا الإسكندرية، الراعي الذي يحمل الكنيسة في قلبه، ويحمل مصر أيضًا في قلبه. لم يكن يشرح خريطة فحسب، بل كان يرسم في نفوس الصغار خريطة للانتماء، ويغرس فيهم حب وطن قد لا يعيشون فيه كل أيامهم، لكنه سيظل يجري في عروقهم ما دامت فيهم حياة.
ولعل أعظم ما يميز هذه المبادرة أنها جاءت صادقة، بعيدة عن التكلف، نابعة من قلب يعرف قيمة الوطن، ويدرك أن الأجيال الجديدة تحتاج إلى أن ترى مصر بعين المحبة لا بعين المسافة. ولهذا استطاع البابا تواضروس أن يحول دقائق قليلة إلى درس خالد في الوطنية، وأن يقدم نموذجًا عمليًا لكيف يكون القائد الروحي أيضًا صانعًا للانتماء وحارسًا للهوية.
إن التاريخ لا يخلّد العظماء لأنهم جلسوا على الكراسي، بل لأنه يتذكر الأفكار التي غيرت القلوب. وسيبقى هذا المشهد شاهدًا على أن محبة مصر يمكن أن تُعلَّم بابتسامة، وخطوة، وخريطة مرسومة على الأرض، أكثر مما تُعلَّم بخطب طويلة. وعندما يرى أبناء مصر في الداخل والخارج بطريركهم يسير فوق أرض وطنه بكل هذا الشغف، يدركون أن حب مصر ليس شعارًا يُردد، بل رسالة تُعاش، وأن بابا الإسكندرية لم يكن في تلك اللحظة مجرد معلم للتاريخ، بل كان معلمًا للمحبة، ومحبة الوطن على وجه الخصوص؛
ولذلك سيظل في نظر كثيرين بحق بابا
المحبة، الذي عرف كيف يقود القلوب إلى الله، ويقودها في الوقت نفسه إلى مصر.





