(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
إضافةً إلى معجزات المسيح يسوع، وفقًا للبشائر الأربعة، وكذلك المعجزات المتنوّعة التي جاءت بها المسيحيّةُ، ونادت بها وحقّقتها، نجد أنّ "معجزة" أو "مفارقة" المسيحيّة ذاتها تكمن في أنّ شخصًا علمانيًّا (أي لا ينتمي إلى الإكليروس ودرجات الكهنوت)، متبتّلًا، مهمّشمًا، فقيرًا، مسالمًا، مصلوبًا، قد احتلّ موقعًا محوريًّا في جميع الأزمنة والأماكن بأسرها. لقد صار مركزَ التاريخ، ومَلِك القلوب، ومخلِّص البشريّة جمعاء والكون برمّته. ويدلّ هذا أوّل ما يدلّ على عَظَمةِ مسيحيّةِ المسيح وعمقها.
لقد غيّر يسوعُ المسيح، الكلمة المتجسّد، ومن ثمّ المسيحيّة، مفهومَ العَظَمة وأبعادها. فقد أظهر بالأفعال والأقوال أنّ العَظَمة الحقيقيّة تكمن
في النزول لا في الارتفاع على جُثث الآخرين،
وفي المحبّة والغفران لا في الكراهيّة والخصام،
وفي الخدمة لا في طلب الخدمة،
وفي سلطة الخدمة لا في خدمة السلطة،
وفي غسل الأرجل لا في السعي وراء استعباد الآخرين ليغسلوا لهم الأرجل ويخدموهم،
وفي بذل الذات لا في عبادة الذات،
وفي عرش الصليب لا في الصراع على العروش والكراسي.
وبناءً عليه، ومن جرّاء سرّ التجسّد الإلهيّ العجيب، تنادي المسيحيّةُ بأنّ الله في ابنه يسوع المسيح،
لا "يتعالى ويتسامى" فحسب، بل "يتنازل ويتواضع" أيضًا؛
ولا "يملك ويسود" فحسب، بل "يتخلّى ويُفرغ ذاته" أيضًا؛
وليس هو "ربٌّ وسيّد ومَلِك" فحسب، بل هو "مَرْبُوبٌ وعبد وخادم" أيضًا؛
ومن ثمّ، فإنّه –جلّ جلاله– ليس "أكبر" فحسب، بل "أصغر" أيضًا!
وأخيرًا، إنّ هذا كلّه لمفارقةٌ عجيبة؛ إذ إنّه لا يهدم المنطقَ، بل يفتحه على حقيقةٍ أسمى لا يستطيع العقلُ البشريّ استيعابها بالكامل، وإن فَهِمَ بعضًا من وُجُوهها.





