محمد نبيل المصرى

أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله

الحديث الذي بين أيدينا يعد من أكثر الأحاديث تعبيرا عن فلسفة الإسلام في بناء الإنسان، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله. 

وهذا النص لا يجعل كمال الإيمان يقاس بالمظاهر أو بالشعائر وحدها، وإنما يربطه مباشرة بالأخلاق والسلوك الإنساني، وخاصة في دائرة الأسرة حيث تسقط الأقنعة ويظهر المعدن الحقيقي للإنسان.

وعندما ننظر إلى هذا الحديث بلغة معاصرة نجد أنه يقدم معيارا إنسانيا عالميا للتدين. فالسؤال الحقيقي ليس كم يحفظ الإنسان من النصوص أو كم يؤدي من الطقوس، وإنما كيف يعامل الناس. هل هو صادق؟ هل هو أمين؟ هل هو رحيم؟ هل يحترم كرامة الآخرين؟ هل يسيطر على غضبه؟ هل يعامل زوجته وأولاده وأهله بالحسنى؟ فهذه هي العلامات التي اعتبرها النبي دليلا على اكتمال الإيمان.

ولهذا شاع بين العلماء والمفكرين القول إن الدين هو الأخلاق. ورغم أن هذه العبارة ليست حديثا نبويا بهذا اللفظ، فإن معناها تدعمه نصوص كثيرة، منها قول النبي: إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق. فالرسالة الدينية لم تأت فقط لإقامة الطقوس، وإنما لصناعة إنسان أفضل وأكثر عدلا ورحمة وأمانة وتواضعا.

والقرآن الكريم يؤكد هذا المعنى في مواضع كثيرة، إذ يجعل غاية الإنسان تزكية نفسه والارتقاء بها. قال تعالى: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها. وقال أيضا: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس. فهذه الآية تجمع بين الإيمان والعبادة والأخلاق والوفاء والرحمة والصبر، وتقدم صورة متكاملة للإنسان الصالح.

كما يقول القرآن: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهو ما يدل على أن العبادة الحقيقية ينبغي أن تنعكس على السلوك الأخلاقي. ويقول أيضا: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين. ويقول: وقولوا للناس حسنا. ويقول: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. ويقول: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى.

وعندما ننتقل إلى الكتاب المقدس نجد الفكرة نفسها حاضرة بصورة واضحة. ففي إنجيل متى يقول المسيح: من ثمارهم تعرفونهم، أي أن قيمة الإنسان تعرف من أفعاله لا من ادعاءاته. وفي إنجيل يوحنا يقول: بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضكم لبعض. وفي رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس يقول: وإن كانت لي كل المعرفة وكل الإيمان حتى أنقل الجبال ولكن ليس لي محبة فلست شيئا. كما يضع الرسول بولس المحبة فوق جميع الفضائل بقوله: أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة وهذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة. وفي رسالة يعقوب يقال: الإيمان بدون أعمال ميت.

وفي اليهودية نجد وصايا الأنبياء تؤكد أن الأخلاق مقدمة على الطقوس الشكلية. ففي سفر ميخا جاء: قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وما يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع إلهك. وفي سفر اللاويين جاءت الوصية الشهيرة: أحبب قريبك كنفسك.

وفي الهندوسية تؤكد البهاغافاد غيتا أن الإنسان الفاضل هو من يتحلى بضبط النفس والرحمة والتواضع والصدق ونبذ الكراهية، وأن هذه الصفات هي علامات النضج الروحي الحقيقي.

وفي البوذية يعد السلوك الأخلاقي أحد الأركان الأساسية لطريق التحرر. فالطريق النبيل ذو الشعب الثماني يضم القول الصحيح والفعل الصحيح والمعيشة الصحيحة، كما يعلم بوذا أن التغلب على الغضب والكراهية يكون بالمحبة والرحمة لا بالعنف.

وفي الكونفوشية تمثل الفضيلة الإنسانية أو رن أساس الأخلاق، ويعد احترام الآخرين والعدل والإحسان وضبط النفس الطريق إلى المجتمع الصالح.

وفي الطاوية يدعو لاو تسي إلى التواضع واللين والرحمة والابتعاد عن التكبر والعنف، ويرى أن الإنسان الفاضل هو الذي يعيش في انسجام مع الطبيعة ويعامل الآخرين بالرفق.

وفي الشنتوية اليابانية تعد الطهارة والصدق والإخلاص والانسجام مع المجتمع واحترام الآخرين من أهم القيم التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، إذ ينظر إلى الأخلاق باعتبارها وسيلة لحفظ الانسجام بين الإنسان والطبيعة والمجتمع.

وفي الزرادشتية يقوم الدين على المبدأ الشهير: الأفكار الطيبة والكلمات الطيبة والأعمال الطيبة، وهو شعار يلخص أن قيمة الإنسان تقاس بما يفكر فيه وما يقوله وما يفعله.

وفي المانوية كان الصراع بين الخير والشر يظهر عمليا في سلوك الإنسان، ولذلك احتلت قيم الصدق والزهد وضبط النفس مكانة مركزية في حياة أتباعها.

أما المزدكية فقد اشتهرت بدعوتها إلى تقليل الظلم والتفاوت الاجتماعي، والدعوة إلى الرحمة والتكافل ونبذ العدوان، وإن كانت تعاليمها التاريخية محل خلاف بين الباحثين بسبب اختلاف المصادر.

وتؤكد هذه المقارنات أن الاديان الكبرى، رغم اختلاف عقائدها وطقوسها وفلسفاتها، تلتقي عند مبدأ إنساني واسع، وهو أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يعلنه من انتماء ديني أو بما يؤديه من شعائر فقط، وإنما بما يظهر في حياته من عدل ورحمة وصدق وأمانة وإحسان.

ومن هنا يمكن القول إن أفضل مقياس للتدين ليس كثرة المظاهر الدينية، وإنما مقدار ما أحدثه الإيمان في النفس من تزكية وارتقاء أخلاقي. فكلما ازداد الإنسان صدقا ورحمة وعدلا وتواضعا وأمانة وإحسانا إلى الناس، كان أقرب إلى الغاية التي جاءت بها الرسالات السماوية، وهي صناعة إنسان صالح يصلح نفسه ويصلح مجتمعه.

الصورة من كتاب الأمالي للقاضي عبدالجبار