كمال زاخر
[7] الكنيسة وإشكاليات التدبير في زمن الفضاءات المفتوحة
واحدة من التحديات التي تواجة كنيسة اليوم هي التطورات في فضاء المعلومات والمتسارعة وليس آخرها الذكاء الإصطناعي، وشأنها شأن كل تطور تقني أو معرفي تحدث حالات من السجس والاختلاف حولها، تعاطياً وقبولاً ورفضاً، خاصة داخل الكيانات العريقة والتقليدية، والكنيسة واحدة منها، حدث هذا مع ظهور الراديو ثم السنيما ثم التليفزيون، ودارات حوارات وصلت إلى حد التراشق والتحريم، لكن عجلة التطور والحداثة لم تتوقف، وتعاطينا، شخوصاً وأسر وكنيسة، مع ابداعاتها وتقنياتها ووظفناها في دوائر حياتنا العامة والكنسية.
لكن الأمر يدِق مع تطورات الفضاء الإفتراضي وقفزات التواصل وشيوع المعرفة التي صارت متاحة، صحيحة ومصنوعة، لكل يد، وما كان يقال خلف الجدران صار مطروحاً على قارعة طرق المعرفة، وخلق أجيالاً لا تتوقف عن السؤال والفحص وبعضها، وربما كثيرها، يرفض الانصياع للمعرفة التلقينية أو قيود نطاقات الطاعة المطلقة، ولم تعد مؤسسات التنشئة، من الأسرة إلى المدرسة إلى المؤسسة الدينية، هي صاحبة اليد العليا في بناء ذهنية الفرد أو الجماعة.
والسؤال ماذا على الكنيسة أن تفعل في مواجهة سيل التطورات هذا؟، فقد تمتلك أدوات وآليات ونظم التواصل التقنية الحديثة لكنها مازالت تديرها برؤية لم تبارح اسوار المجتمعات المغلقة، التي لا تقبل الحوار خارج البنية المعرفية لمدبريها، ومن يتابع مسيرة الكنيسة بامتداد تاريخها، وتحديداً في عصور نهضتها، يلمس كيف كانت تتفاعل مع تطورات زمانها، حين انتقلت من نسخ مخطوطاتها إلى الطباعة، وحين ضبطت ليتورجيتها على قواعدها الإيمانية ونقحتها من مدخلات أزمة الضعف، وحين استبدلت انارة باحاتها بالمصابيح الكهربائية بعد أن كان ضمن رتب الشمامسة رتبة "القندلفت" الذي يباشر مهمة اضاءة قناديلها.
وعلى الجانب الفكري سمحت ودعمت حركة الترجمة والتفاعل مع تراثها ترجمة وتعريباً، وأعادت صياغة ايمانها بلغة عصرها دون أن تخل بجوهره ومضونه، ومازلنا نتذكر الدور الذي لعبته مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في توظيف الفلسفات اليونانية في شرح ايمانها وعقائدها،.
اللافت أنه في زمن المعرفة تتوجس خيفة من التواصل مع غيرها من الكنائس خشية الذوبان، وهي فرضية تكشف عن ضعف البنية المعرفية الحالية، بينما هي تملك ما يحصنها بل يرشحها لقيادة مسئولية التواصل.
والتحديث والمعاصرة لا يعني الإخلال بالتقليد، إنما فك حصار القوالب المصمتة التي تعزله عن التفاعل مع الحاضر. فالتقليد هو مراكمة للخبرات الإيمانية الحياتية الجيلية، يحمل الإيمان الذي تسلمته الكنيسة الأولي وينقله للأجيال بوعي واتساق مع احتياجاتها لينتهي بهم إلى معرفة المسيح في محبته التي تجلت في تجسده وصلبه وموته وتكللت بقيامته وصعوده ونحن فيه ومعه.
وهنا يكون السؤال هل تملك الكنيسة بهرمها الهيراكي القائم الأن القيام بمهمة ضبط بوصلة التعليم الأأرثوذكسي على التسليم الرسولي والمحاور التي شكلت البنية الإيمانية وتبلورت في المجامع المسكونية التي قبلتها، وتطورات الحوارات المسكونية الإيجابية، وضبط آليات الرعاية والتعليم وفقاً للمعطى الحداثي وأدواته، خاصة في مخاطبة وتشكيل وجدان وعقل الأجيال الجديدة الحالية والقادمة؟.
وللإجابة على هذا التساؤل، لابد أن نعود لفحص المنابع التي تمد الكنيسة بمدبريها ومعلميها ورعاتها، وهي الأديرة التي تمد الكنيسة بالآباء الأساقفة والإكليريكيات التي توفر لها القسوس وخدام الكلمة المدنيين، وقد تناولناهما مراراً، وهنا لا بد أن نقر أن خللاً اصبهما، فلم تعد الأديرة بوضعيتها الحالية مرفأ للاعتكاف والبحث عن خلاص نفس قاصديها، ومحلاً لترجمة نذورها حياتياً.
اللافت أن غالبية اختيارات من يقدم للرتبة الأسقفية تقع على من لم يمض على رهبنته ما يكفي لاستيعاب معطياتها، ويمكن لمن يتتبع رسامات العقود الثمانية الأخيرة أن يكتشف هذا، فهل تكفي الشهادات الجامعية المدنية وحدها لتوفير اسقف يدرك مهام الرعاية والتعليم والتعامل مع الأسر وقيادتهم لينبوع الخلاص والسير في طريق الأبدية، دون أن يخلط بين مسئولياته الروحية وبين نداهة السلطة والسياسة وهنية الطاعة والخضوع في عالم متغير، يتطلع لمن يبني داخله ما يوازن ضغوط العالم واغراءاته ومتاعبه، من خلال الشبع بالمسيح والاقتداء به؟.
ربما تكون الكنيسة بحاجة إلى السير في اتجاهين متوازيين، أولهما أنشاء آلية وسيطة بين الدير والخدمة الاسقفية خارجه، تقوم باعداد المرشحين للأسقفية علمياً ونفسياً واجتماعياً في مدى زمني من ثلاث إلى اربع سنوات، يتولى شئونها علماء متخصصون من اساتذة الجامعات في العلوم الإنسانية، منطق واجتماع وفلسفة واقتصاد وادارة، بجوار العلوم اللاهوتية والعقائدية والطقسية، وقبل هذا وبعده يفحصون نفسياً لاختيار الأسوياء منهم حتى لا ينقلوا أية تشوهات نفسية مضمرة لمجال خدمتهم.
وثانيهما انشاء منظومة للرهبنة الخادمة، ووضع قواعدها ونظامها وهي بحكم الغرض من انشائها تكون مقارها وسط المدن وتتفق نذورها مع الرهبنة الديرية في البتولية والنسك وتختلف معها في وجوبية العزلة وفي قوانين الصلاة، إذ يرتب لها انظمة صلوات تتفق ومهامها الموكلة اليها. ويضاف إليها برامج درسات نظامية في العلوم الانسانية والكنسية السابق الإشارة إليها، وبطييعة تكوينها تتولي تأسيس كيانات صحية وتعليمية وخدمية الخدمة المجتمع حولها، وفي حال استكمالها المؤسسي والتنظيمي تكون هي البديل في الإختيار للرسامات الأسقفية.
واستكمالاً لخريطة ضبط الحياة الديرية يتم بالتوازي تحجيم الزيارات وضبطها في اضيق نطاق، ويتم التوقف فوراً عن رسامة الرهبان كهنة إلا في حدود احتياجات الدير الطقسية، مع رد الاعتبار لشيوخ الرهبان في احقية تلمذة الرهبان الشباب، وتسند إدارة الدير لأحد شيوخه دون رتبة الأسقفية. وبعاد النظر في ادارة المشروعات الديرية الانتاجية، بفصل الملكية عن الإدارة ، الأمر الذي يدعم الالتزام بالنذور الرهبانية، مع وضع ضوابط تنظم الإفادة من ايراداتها وتوزيعه على الأديرة الصغيرة، والأسر المعوزة، وفي هذا يتحقق نذر "عدم الإقتناء"، وتقيم الكنيسة اسقفاً عاماً للرهبنة ليكون حلقة الوصل بين الأديرة والكنيسة.
وفي سياق عمل الأساقفة وحتى تستقيم الأمور بات من الضروري اعادة مشاركة الرعية من غير الاكليروس في ادارة أمور الإيبارشية المادية والادارية بمجلس يضم الأراخنة وتنظم الطريقة الأفضل في تشكيله بالشروط التى اوردها سفر أعمال الرسل. ويخضع في أعماله لرقابة كنسية تنظم بقواعد قانونية ومحاسبية تتبع مجمع الأساقفة.





