بقلم مدحت قلادة
“أَمَّا أَرْوَاحُ الصِّدِّيقِينَ فَهِيَ بِيَدِ اللهِ، وَلَنْ يَمَسَّهَا عَذَابٌ.” (الحكمة 3: 1)
ليس كل من يرحل يُنسى، فهناك من يكتب سيرته على صفحات القلوب، لا على صفحات الكتب، لأن المحبة الصادقة لا تعرف الغياب، بل تبقى حيّة في كل نفس لمستها بنعمة الله.
ومن هؤلاء كان أستاذي وأخي الكبير في الخدمة… الأستاذ لمعي نادر.
منذ أن وعيت على كنيستي القبطية، كان الأستاذ لمعي واحدًا من الوجوه التي ارتبطت في ذاكرتي بمعنى الخدمة الحقيقية. عرفه الجميع بابتسامته الهادئة، وقلبه النقي، ومحبته الصادقة التي احتضنت الجميع دون تمييز. لم يكن يسعى إلى مكانة، ولم يطلب يومًا كرامة لنفسه، بل كان يكتفي بأن يكون خادمًا أمينًا للمسيح.
لقد خدمت معه سنوات طويلة، ولم أسمعه يومًا يجرح إنسانًا بكلمة، أو يدين أحدًا، أو يدخل في خصومة مع أخ. كان يؤمن أن الخدمة لا تُقاس بما نقوله، بل بما نعيشه، لذلك كانت حياته هي أعظم عظة. كان يعمل في صمت، ويحب في هدوء، ويعطي دون أن ينتظر شكرًا، وكأن شعاره الدائم: “ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص.”
تعلمت منه أن الخادم الحقيقي لا يصنع ضجيجًا حول نفسه، بل يترك المسيح يظهر فيه. وأن الاتضاع ليس كلمات تُقال، بل حياة تُعاش. كان يقدم الجميع على نفسه بمحبة صادقة، يفرح بنجاح الآخرين كما لو كان نجاحه، ويختفي عندما يحين وقت المديح، لأن قلبه كان متعلقًا بمجد الله وحده.
أما في الكنيسة، فكان شماسًا عاشقًا للمذبح. كانت الألحان الكنسية تسكن قلبه قبل أن تخرج من شفتيه، وكان حضوره في القداسات يحمل خشوعًا يعلّم أكثر من أي حديث. لم تكن الشماسية بالنسبة إليه رتبة، بل عبادة، ولم يكن التسبيح لحنًا، بل حياة عاشها بكل قلبه.
كان الأستاذ لمعي واحدًا من ذلك الجيل الذهبي الذي تربينا على يديه في كنيستنا، جيل علّمنا أن الخدمة ليست نشاطًا، بل قداسة حياة، وأن النجاح الحقيقي ليس في كثرة الإنجازات، بل في أن يرى الناس المسيح في تصرفاتنا قبل كلماتنا.
عندما سمعت خبر نياحته، شعرت أن الكنيسة فقدت خادمًا أمينًا، لكن السماء ربحت قديسًا جديدًا. ومع ذلك، لم يستطع الحزن أن ينتزع مني رجاء القيامة، لأننا لا نؤمن بإله للموت، بل بإله للأحياء. فالذي أحب المسيح على الأرض، لا يمكن أن ينفصل عنه في السماء.
أنا مؤمن أن الأستاذ لمعي لم يتوقف عن التسبيح، بل انتقل من خورس الشمامسة على الأرض إلى خورس الملائكة والقديسين في السماء، حيث لا وجع، ولا دموع، ولا تعب، بل فرح أبدي، وتسبيح لا ينقطع أمام عرش الله.
لقد تأخرت في كتابة هذه الكلمات، ليس لأنني كنت مشغولًا، بل لأنني كنت أتأمل في حياة إنسان عاش الإنجيل قبل أن يتكلم عنه. هناك أشخاص لا تستطيع أن ترثيهم، لأن سيرتهم هي التي تتحدث عنهم. وكلما حاولت أن أكتب، وجدت نفسي أتذكر ابتسامة هادئة، أو موقفًا مليئًا بالمحبة، أو خدمة خفية لم يعلم بها إلا الله، فأدركت أن الإنسان قد يغيب عن العيون، لكنه لا يغيب عن القلوب التي أحبها.
نم هادئًا يا أستاذي الحبيب… يا من علمتنا دون أن تتكلم، وأرشدتنا دون أن تعظ، وأحببتنا دون أن تنتظر مقابلًا.
سنفتقد ابتسامتك، وصوتك في التسبيح، ووقفتك الخاشعة أمام المذبح، لكننا لن نفتقد رجاءنا، لأن المسيح الذي أحببته وخدمته هو نفسه الذي وعد قائلًا:
“أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الْأَبَدِ.” (يوحنا 11: 25-26).
وإني على يقين أنك سمعت الصوت الذي عاش قلبك ينتظره:
“نِعْمًا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالْأَمِينُ… ادْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ.” (متى 25: 23).
إلى لقاء يا أستاذ لمعي… يا من تركت لنا سيرةً أعظم من الكلمات، ومحبةً أعمق من الوصف، وإيمانًا رأيناه متجسدًا في كل يوم من أيام حياتك.
سنظل نشكر الله لأنه منحنا نعمة أن نخدم معك، وأن نتعلم من هدوئك، ومن اتضاعك، ومن محبتك الصادقة. وستبقى سيرتك دعوة لكل خادم أن يخدم بمحبة، ويعيش في اتضاع، ويطلب مجد المسيح وحده.
ونحن لا نقول وداعًا، لأن أبناء القيامة لا يعرفون الوداع، بل يقولون: إلى لقاء. لقاء عند قدمي المسيح، حيث لا دموع بعد، ولا فراق، بل فرح أبدي في حضرة الرب.
“وَهكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِهذَا الْكَلاَمِ.” (١ تسالونيكي ٤: ١٧-١٨).
نم في سلام يا أستاذ لمعي… فقد أكملت رسالتك على الأرض، وها أنت تعاين وجه المسيح الذي أحببته وخدمته بأمانة. أما نحن، فسنظل نحمد الله لأنه أهدانا إنسانًا كانت حياته عظة، وابتسامته تعزية، ومحبته أيقونة للمسيح.
وإلى أن يجمعنا الرب في أورشليم السمائية، سيبقى ذكرك عطرًا يفوح في كنيستنا، وستبقى سيرتك منارةً لكل خادم، حتى نلتقي جميعًا في بيت الآب، حيث الفرح الذي لا ينتهي، والحياة التي لا يغلبها موت، والمحبة التي لا تسقط أبدًا. آمين.






