(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
على الصعيد التاريخيّ المحض، لا يمكن إنكارُ أنّ يسوع الناصريّ، وكذلك أُمّه العذراء مريم وتلاميذه الأوّلين، قد انتموا إلى ما أُطلق عليه "اليهوديّة" آنذاك، وإلى الشعب اليهوديّ أيضًا.
حتّى الليتورجيا المسيحيّة، في بدايتها، قد تأثّرت بالعبادة اليهوديّة وطقوسها. وتُظهر جليًّا صفحاتُ العهد الجديد، ولا سيّما البشائر الأربعة، أنّ يسوع المسيح وتلاميذه قد تجذّروا في سياق اليهود الذين عاشوا أثناء الأعوام الأولى من القرن الأوّل الميلاديّ، وكذلك في زمانهم، وبيئتهم، وعالَمهم الجغرافيّ.
ومع ذلك، ففي المسيح يسوع، ربّنا وإلهنا ومخلِّصنا، نجد اكتمالَ الكُتب المقدَّسة اليهوديّة والوعود الإلهيّة والعهد الجديد، وكذلك إعادةَ إصلاح ما قد فسد بشأن علاقة الإنسان بالله. وبهذا المعنى، فإنّ العهد الجديد، بالنسبة للمسيحيّين، ليس إلغاءً ولا استبدالًا لوعود العهد الأوّل أو القديم، بل هو تحقيقٌ واكتمالٌ لها. ومن ثمّ، فإنّ الكتاب المقدَّس، لدى المسيحيّين، يحوي أسفار العهد القديم أيضًا.
على هذا النحو، وعلى الصعيدَيْن التاريخيّ والثيولوجيّ (عِلْم اللاهوت)، فبعد أن اتّخذ المسيحُ حيّزَ الزمان والمكان، والديانةَ اليهوديّة، وثقافةَ الأعوام الأولى من القرن الأوّل، ونشأ في حقبةٍ زمنيّة معيّنة وفي محيطٍ جغرافيّ معيّن، قد تجاوز يسوعُ المسيح إنسانيًّا وإلهيًّا –من دون إلغاءٍ ولا استبدالٍ ولا إحلالٍ–
يهوديّته ديانةً وثقافةً. وبكلماتٍ أخرى أكثر دقّةً، لقد تمّتْ في يسوع المسيح عمليّةُ اندماجٍ متكامل الأركان، بمعنى احتواء ومصالحة المتضادات من دون إلغاءٍ لها؛ وأعني بالتحديد المصالحة بين التأصُّل والتجاوز، بين الفرادة والشموليّة، بين المحايثة والتسامي، بين البُعد المحليّ والبُعد الكونيّ.
ويمكن القول بأنّه مع العذراء مريم وابنها يسوع المسيح، الذين كانا يهوديي الديانة والثقافة، قد بدأتْ تاريخيًّا مغامرةُ المسيحيّة (نسبةً للمسيح). ويمكن الجزم بأنّ العذراء مريم هي الإنسانة المسيحيّة الأولى؛ وأنّ ابنها يسوع المسيح هو أساسُ ومؤسّس الإيمان المسيحيّ. ولقد وسّعت المسيحيّةُ الديانةَ اليهوديّة؛ فباتت العلاقةُ بالله ذا طابعٍ شموليّ وكونيّ. وبناءً عليه، يمكن حُسبان المسيحيّة، من الناحيّة التاريخيّة، حركةً أو تيّارًا أشمل من يهوديّة القرن الأوّل الميلاديّ، إن وُجدتْ صيغةٌ يهوديّة واحدة فقط في أيّام يسوع الناصريّ. ثمّ بعد ذلك، صارت المسيحيّةُ ديانةً مستقلّة وقائمة بذاتها، وإن احتفظتْ بجذورها اليهوديّة أيضًا.
بكلماتٍ موجزة، كان يسوعُ الناصريّ، المسيح ابن الله، يهوديًّا من حيث الديانة والثقافة؛ ولكنّه، بدايةً من ميلاده ووصولًا إلى صَلْبه وموته وقيامته ومرورًا بحياته برمّتها، صار مسيحَ العالَم كلّه. وبهذا المعنى، قد بدأت المسيحيّةُ مع يسوع المسيح، منذ الحَبَل به في بطن العذراء مريم بفعل الروح القُدس، وليس مع القدّيس بولس؛ فهذا الأخير ما إلّا عبده وخادمه ورسوله (رُومة 1: 1؛ 1 قورنتِس 1: 1؛ غلاطية 1: 1؛ فيلبّي 1: 1؛ طيطس 1: 1). فعلى سبيل المثال، قد صرّح: «مِن بولُسَ عَبْدِ المسيح يسوع دُعِيَ لِيَكونَ رَسولًا وأُفرِدَ لِيُعلِنَ بِشارةَ الله» (رُومة 1: 1). ومن ثمّ، لم يخترع بولسُ الرسول المسيحيّةَ، التي هي
بدورها قائمةٌ قبله وسابقةٌ عليه، وإن كان قد أدّى دورًا مهمًّا في انتشارها بأنحاء المسكونة كلّها عبر رحلاته التبشريّة. فقَبْل اهتداء شاول الطرسوسيّ (بولس لاحقًا) بأعوامٍ، قد سبقتْ ونَمت وازدهرت مسيحيّةُ يسوع المسيح (رسل 2: 1-47)، بواسطة تلاميذه أنفسهم، وبواسطة المبشِّرين المتجوّلين، وبواسطة البشارة الشفهيّة المتعلّقة بمِسيانيّة يسوع الناصريّ وألوهيّته والتعبُّد له، أي بكونه مسيحَ الله، وابنَ الله المتجسِّد والمتأنِّس، والمسجودَ له مع أبيه وروح قُدسه.
وإن قد نشأت المسيحيّةُ –تاريخيًّا– في البيئة اليهوديّة، ولكنّها ليست مجرّدَ حركةٍ أو تيّار يهوديّ. لقد أضحت المسيحيّةُ، انطلاقًا من أساسها ومؤسّسها يسوع الناصريّ وبفضله، ديانةً شموليّة وكونيّة وتبشريّة. وهي تدعو، عبر الكِرازة بالإنجيل بحماسٍ متجدّد، جميعَ الناس إلى اتّباع يسوع المسيح، ابن الله المتجسِّد والمتأنِّس، للبلوغ إلى الخلاص المقدَّم لهم مجّانيًّا.





