دكتور بول غبريال - راعي الكنيسة العربية الكتابية - شيكاجو 
 
يكشف لنا الأصحاح الثاني من سفر صموئيل الأول عن ثلاث طرق يتعامل بها الإنسان مع الخطية. اثنتان منهما تقودان إلى الخراب، أما الثالثة فهي وحدها الطريق إلى الحياة والرجاء.
 
أولًا: التجاهل والإنكار
 
يقول الوحي الإلهي:
 
«وَكَانَ بَنُو عَالِي بَنِي بَلِيَّعَالَ. لَمْ يَعْرِفُوا الرَّبَّ… فَكَانَتْ خَطِيَّةُ الْغِلْمَانِ عَظِيمَةً جِدًّا أَمَامَ الرَّبِّ.»
(١ صموئيل ٢: ١٢، ١٧)
 
كان عالي الكاهن يعلم فساد ابنيه، حفني وفينحاس. فقد دنّسا الكهنوت، واستهانا بالذبائح المقدمة للرب، ووصل بهما الأمر إلى السقوط في الزنا مع النساء اللواتي كن يخدمن عند باب خيمة الاجتماع (١ صموئيل ٢: ٢٢).
 
ومع ذلك، لم يتجاوز موقف عالي حدود التوبيخ بالكلمات. لم يعزل ابنيه من الخدمة، ولم يمارس التأديب الذي تقتضيه قداسة بيت الله. لذلك جاءه صوت الرب قائلًا:
 
«لِمَاذَا تُكْرِمُ بَنِيكَ عَلَيَّ؟»
(١ صموئيل ٢: ٢٩)
 
وعلي الرغم من معرفة عالي الكاهن بخطايا أبنائه، لكنه لم يواجهها. لقد فضّل راحة المواجهة المؤجلة على أمانة الطاعة.
 
وكانت النتيجة مأساوية؛ إذ لم يمتد القضاء إلى ابنيه فحسب، بل أصاب الأمة كلها، فسقط الآلاف في المعركة، وأُخذ تابوت عهد الرب إلى أيدي الفلسطينيين (١ صموئيل ٤: ١٠-١١).
 
وهذا ما يحدث كثيرًا في حياتنا أيضًا. فالخطية التي لا تُواجَه لا تبقى ساكنة، بل تنمو وتتجذر وتفسد كل ما تلامسه. يحذرنا الكتاب قائلًا:
 
«خُذُوا لَنَا الثَّعَالِبَ الصِّغَارَ الْمُفْسِدَةَ لِلْكُرُومِ.»
(نشيد الأنشاد ٢: ١٥)
 
فالخطية التي نتساهل معها اليوم، قد تصبح في الغد سبباً في سقوط كثيرين.
 
ثانيًا: اليأس
إذا كان الإنكار يقلل من خطورة الخطية، فإن اليأس يقلل من قوة نعمة الله.
 
بعد سقوط إسرائيل وأخذ تابوت العهد، سمعت زوجة فينحاس بموت زوجها وحميها، فوضعت ابنها ودعته «إيخابود»، أي: «زال المجد»، ثم أسلمت الروح وهي تظن أن حضور الله قد فارق إسرائيل إلى الأبد (١ صموئيل ٤: ١٩-٢٢).
 
كان هذا تعبيرًا عن قلب فقد الرجاء.
 
فالإنكار يقول: «الخطية ليست خطيرة.»
 
أما اليأس فيقول: «النعمة ليست كافية.»
 
وكلاهما كذب على حقيقة الله.
 
فالرب نفسه يعلن:
«هَلْ تَقْصُرُ يَدُ الرَّبِّ؟»
(العدد ١١: ٢٣)
 
ومهما بلغ فساد الإنسان، فإن أمانة الله لا تتغير، وقدرته على الخلاص لا تنقص.
 
ثالثًا: الاعتراف والرجاء
وسط البيئة نفسها التي فشل فيها عالي، تربى صموئيل.
 
يقول الكتاب:
«وَكَبِرَ الصَّبِيُّ صَمُوئِيلُ عِنْدَ الرَّبِّ.»
(١ صموئيل ٢: ٢١)
 
لم يسمح صموئيل لفساد من حوله أن يحدد مستقبله، لأن أمانته كانت لله لا للناس. فوجود الشر حول المؤمن لا يبرر السقوط، كما أن فساد الآخرين لا يمنع عمل نعمة الله في القلب الأمين.
 
وهنا يكمن الرجاء الحقيقي؛ فخطة الله لا تعتمد على نجاح البشر، بل على أمانته هو.
 
لذلك يعلن الرسول يوحنا:
 
«إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا، فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا، وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ.»
 
(١ يوحنا ١: ٩)
 
فالطريق الكتابي ليس إنكار الخطية، ولا الاستسلام لليأس بسببها، بل الاعتراف بها والتوبة عنها، مع الثقة الكاملة في نعمة المسيح.
 
نعم، الخطية عظيمة، لكنها ليست أعظم من دم المسيح الذي «يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ» (١ يوحنا ١: ٧). 
 
وقد يكون الخراب حقيقيًا، لكن إله القيامة ما زال قادرًا أن يرد المجد، ويقيم ما سقط، ويصنع بداية جديدة لكل من يرجع إليه.
 
التجاهل يترك الخطية تنمو.
واليأس يتركها تنتصر.
أما الاعتراف والتوبة، فيفتحان الباب أمام نعمة الله التي تغيّر القلب، وتردّ الإنسان إلى شركة الحياة معه.