حنان فكري
الوحوش التى تولد بيننا، تحيا معنا، تبتسم. تعمل. تعود إلى بيوتها فى المساء. وقد يمر بها ألف عابر، فلا يرى فيها سوى شخص عادى. أخطر الجرائم لا ترتدى وجه الوحش. ترتدى وجهًا يشبهنا. وجهًا يضحك، ويعمل، ويصافح الآخرين ثم، فى لحظة لا يراها أحد، يسقط شيء ما فى الداخل. عندما يأتى يوم، ينشق فيه شيء ما داخل النفس، ويصير أقرب الناس إلى القلب هو المرشح الوحيد لدور الضحية، يحدث ما يجافى الفطرة الإنسانية، ويهز الضمير الجمعى.
فأى ألم، أو وهم، أو اضطراب، أو رغبة، أو كراهية، أو انتقام، يستطيع أن يضغط على النفس سنوات، حتى تتحول المشاعر إلى قناعات، والقناعات إلى اتجاهات، والاتجاهات إلى أفعال، ثم تنتهى الرحلة بسفك الدم، هذا الدم المسفوك على عتبات التراكم النفسى يصرخ الآن من واقعة المحامية المتهمة بقتل والدتها، يدعونا إلى تفسير ما يجرى فى المجتمع من ظواهر مُحزنة، ففى زوايا المشهد القاتم أب اغتصب ابنته، فقتلته، وأم قتلت أبناءها تحت دعوى عدم القدرة على إعالتهم، وجرائم لا يمكن حصرها فى بضع سطور تقع بين أصل وفرع (الأب والأم/ الابن والابنة). لذلك لسنا أمام واقعة نحاول بتفسيرها إدانة أو الدفاع عن شخص لأن هذه مهمة القضاء بدرجاته، لكن نحاول فهم الطريق الذى يقود إلى هذا النوع من الجرائم، وأكرر ليس دفاعًا عن الجانى، بل دفاعًا عن الضحية القادمة عبر قراءة نفسية وإنسانية فى البدايات التى قد تسبق العنف.
معركة الضمير
هنا لا نفتش فى التحقيقات، لكننا نفتش فى النفس، ذلك العالم الصامت الذى لا تلتقطه الكاميرات، ولا تدون تفاصيله محاضر الشرطة، بالرغم من أن كل شىء يبدأ منه، فعلم النفس يرى الجريمة آخر حلقة فى سلسلة طويلة تبدأ قبل ذلك بكثير. فقبل أن يولد القاتل كان هناك إنسان يبحث عن النجاة، وهو ما يدفعنا إلى طرح أسئلة مفتوحة عن الإنسان، ذلك الكائن الذى يحمل فى داخله القدرة على الحب والرحمة، ثم فى لحظة، يعبر إلى الضفة الأخرى، كان قد قطع الرحلة إليها داخله عبر سنوات سابقة. أى أن الرحلة إلى سلوك ما لا تقطعها النفس فجأة، بل تدريجيًا، إذ يقول الطبيب النفسى الأمريكى، آرون بيك، إن الإنسان لا يتحرك مباشرة من الحدث إلى السلوك، وإنما يمر عبر أفكاره أولًا. فالطريقة التى يفسر بها ما يحدث حوله هى التى تصنع انفعالاته، ثم تؤثر فى قراراته وسلوكه. كما أن الوقائع وحدها لا تغير الإنسان، بل المعنى الذى يمنحه لها. أى أفكاره المتكررة التى تفسر الأحداث حوله.
والفكرة تتلوها فكرة. ثم حديث داخلى لا يسمعه أحد. يحرك الشعور، يتحكم فيه ويسيطر عليه، يومًا بعد يوم يكبر هذا الشعور وفقًا للتفسير سواء كان تفسيرا صحيحا أو خاطئا، حتى يصير اتجاًها راسخًا صامتًا. فى لحظة ما يتحول إلى قرار ثم فعل. وهكذا لا تبدأ الجريمة عند لحظة ارتكابها. تبدأ عندما تجد فكرة مكانًا آمنًا فى العقل، ومبررًا يحول الأفكار والمشاعر إلى حقائق تستلزم سلوكًا فى مواجهتها، فيخوض الإنسان أشد معاركه صمتًا، بين ما يؤمن به ويدافع عنه من جهة وما يشتهى أن يفعله من جهة أخرى. وبين هذين الطريقين يقف الضمير حارسًا، وهنا يقفز التساؤل إلى الأذهان: هل يبقى الضمير قويًا إلى الأبد؟.
الضمير لا يموت فجأة
عن ذلك التساؤل، يجيب عالِم النفس الكندى، ألبرت باندورا، بالنفى. ففى دراسته الشهيرة عن الانفصال الأخلاقى، يشرح كيف يستطيع الإنسان، تحت ظروف معينة، أن يعطل بوصلته الأخلاقية دون أن يشعر بأنه أصبح شخصًا شريرًا. لا يبدأ الأمر بإنكار الخطأ، بل بإعادة تعريفه. يصبح العنف دفاعًا عن النفس. ويصبح الانتقام عدلًا. وتصبح القسوة ضرورة. شيئًا فشيئًا، تتغير الكلمات فتتغير الأحكام ثم يتغير السلوك. فالضمير لا يموت دفعة واحدة. إذ يمر بمرحلة من الإنهاك، يليها الصمت، ثم ينسحب خطوة تلو خطوة حتى يتخلى تمامًا عن الإنسان، ويتركه وحيدًا مع أفكاره.
لذلك لا يخاف علماء النفس من الفكرة التى تعبر العقل مرة، بل من الفكرة التى تجد فيه بيتًا. فالإنسان لا يغيره الغضب وحده. ولا الفقر وحده. ولا الإدمان وحده. ولا الاضطراب النفسى وحده. إنها عوامل قد تلتقى. وقد لا تلتقى. لكنها، حين تتراكم، تضغط على النفس كما تضغط قطرات الماء على الصخر، وبالرغم من ضعفها فإن التكرار والاستمرارية يحفران الصخور.
ليس كل قاتل مريضًا.. وليس كل مريض قاتلًا
وهنا يبرز تساؤل آخر: إذا كانت هذه العوامل مجتمعة تضغط على الإنسان، فهل يكفى ذلك ليصبح مجرمًا؟. الإجابة القاطعة: لا، لذلك يخطئ البعض إذا حاول اختصار الجريمة فى وصف الجانى بأنه "كان مريضًا نفسيًا.. كان مضغوطًا.. كان يتعاطى المخدرات". لأن الحقيقة أشد تعقيدًا من ذلك. إذ تشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن اتخاذ أى قرار يكون نتيجة تفاعل معقد بين مراكز الانفعال فى الدماغ، والمسؤولة عن ضبط الاندفاع والحكم على العواقب. وعندما يختل هذا التوازن، لأى سبب بيولوجى أو نفسى أو نتيجة تعاطى مواد مخدرة أو ظروف ضاغطة، قد تضعف القدرة على كبح السلوك العنيف. لكن هذا التفسير العلمى لا يعنى أن كل مَن يعانى هذا الاضطراب يصبح مجرمًا، ولا أن كل مجرم يعانى اضطرابًا نفسيًا. كما تؤكد الجمعية الأمريكية للطب النفسى فى الدليل التشخيصى والإحصائى للاضطرابات النفسية (DSM-5-TR) أن السلوك الإنسانى ينتج عن تفاعل معقد بين عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية وبيئية، وأن تفسير أى فعل بالرجوع إلى سبب واحد هو تبسيط يبتعد عن العلم. فالإنسان لا يمكن فهم تصرفاته من زاوية واحدة، لذلك كلما سارع المجتمع إلى البحث عن تفسير واحد، ابتعد خطوة عن الحقيقة.
مرض نفسى أم اضطراب فى الشخصية؟
وحتى فكرة الاضطراب النفسى ذاتها لا تصلح للحكم على الجناة بمجرد وصفهم بأنهم مضطربون، فوفقًا للجمعية الأمريكية للطب النفسى، فإن معظم المصابين بالاضطرابات النفسية لا يرتكبون جرائم عنيفة، بل يكونون فى كثير من الأحيان أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للعنف أو الاستغلال. أما ربط المرض النفسى بالجريمة على إطلاقه، فهو وصمة اجتماعية لا يسندها العلم، وهنا يبدأ الخلط بين المرض وبين اضطراب الشخصية. فالمرض النفسى قد يداهم الإنسان فى مرحلة من حياته. يصيب مزاجه. أو إدراكه. أو قدرته على النوم والعمل والاستمتاع بالحياة. وقد يُشفى. وقد يتحسن. وقد يعيش صاحبه عمره كله دون أن يؤذى أحدًا. أما اضطراب الشخصية، فليس عرضًا لمرض، لكنه يمثل الطريقة الراسخة فى التفكير، والشعور، والتعامل مع الناس منذ الصغر. عدسة يرى الشخص العالم من خلالها.
بين تلك الاضطرابات، يلفت الطب النفسى الانتباه إلى اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، والذى له سمات مثل ضعف التعاطف، والاستخفاف بحقوق الآخرين، والميل إلى الخداع أو استغلال الناس، والاندفاع، وضعف الشعور بالندم. لكن الدليل التشخيصى نفسه يحذر من تحويل هذه السمات إلى أحكام جاهزة، أو استخدامها لتشخيص أحد، من خلال الأخبار أو وسائل التواصل أو الانطباعات الشخصية. فالتشخيص عملية متخصصة معقدة، لا يملكها إلا المختصون، لذلك على رواد مواقع التواصل الاجتماعى أن يكفوا عن انتحال صفة المحلل النفسى وتشخيص أطراف الوقائع التى لا يعرفون عنها سوى القليل مما تسمح الجهات المسؤولة بتداوله إعلاميًا، أو مما تسمح الأطراف ذات الصلة بالجناة أو بالضحايا بالإفصاح عنه.
كيف ينهزم الإنسان أمام نفسه؟
العلم لا يبحث عن القوالب. بل عن الفروق. والقانون أيضًا. ولهذا يميز الطب النفسى الشرعى بين سؤالين لا يجوز الخلط بينهما. الأول ما التشخيص؟، والثانى هل كان المتهم مسؤولًا عن أفعاله وقت ارتكابها؟. فقد يحمل شخص اضطرابًا فى الشخصية ومع ذلك يكون مدركًا تمامًا لما يفعل. يعرف. ويخطط ويخفى الأدلة. ويحاول الإفلات، وفى هذه الحالات، لا يُسقط الاضطراب مسؤوليته الجنائية. فالمسؤولية القانونية ترتبط، فى جوهرها، بقدرة الشخص على إدراك طبيعة فعله والتمييز بين الصواب والخطأ وقت ارتكاب الجريمة، وهو ما يحدده القضاء بعد الاستناد إلى تقارير الطب النفسى الشرعى، وليس الاستناد إلى الانطباعات أو النقاشات العامة.
وهنا يجب أن نتوقف لفهم الدافع. وأؤكد أن هذا ليس تبريرًا للفعل. لكن للبحث فى النفس، ليس دفاعًا عن الجريمة. بل محاولة لحماية المجتمع من الجريمة التالية لأن العدالة تعاقب مَن ارتكب الجريمة، أما العلم.. فيحاول منع ولادة جريمة جديدة، لذلك لا يكفى أن نسأل بعد كل مأساة: كيف حدثت؟. السؤال الأهم.. كيف وصل إنسان إلى هنا؟، متى بدأت أول فكرة؟، مَن الذى رأى التغيير ولم ينتبه؟، ومَن الذى انتبه، لكنه فضل الصمت؟. ربما لا نستطيع أن نعيد الضحية. لكننا نستطيع أن ننقذ ضحية لم تُولد مأساتها بعد. فالقضايا التى تتسبب فى إحداث صدمة لدى الرأى العام ليست مادة لإطلاق الأحكام من خلف الشاشات، ولا فرصة لتوزيع تشخيصات نفسية على أشخاص لا نعرفهم.
ما حدث إن أثبتت التحقيقات أنه حدث بالفعل، ينبغى أن يكون جرس إنذار. لكل بيت. ولكل أسرة ولكل مدرسة. ولكل مسؤول. ولكل واحد منا. لأن هذا النوع من الجرائم لا يهزم ضحية واحدة. لكنه يهزم المجتمع كله ويترك فى الروح سؤالًا لا يهدأ: كيف يخسر الإنسان نفسه قبل أن يخسر كل شيء؟.
ولهذا، فإننا لا نحتاج للبحث عن مبررات للجرائم. أو تحويل كل متهم إلى مريض نفسيا أو شيطان. نحن نحتاج إلى فهم الإنسان، نحتاج أن نسأل عن الطفل الذى تربى فى العنف. وعن المراهق الذى لم يجد مَن يصغى إليه. وعن المدمن الذى ظل وحيدًا حتى التهمه الإدمان. وعن الأسرة التى رأت التغيرات يومًا بعد يوم، ولم تدرك أنها صرخة استغاثة، فغابت الحماية والوقاية قبل الجريمة بسنوات. أما العقاب فكان حاضرًا بعدها بدقائق. والبعض لا يدرك ما بينهما من حياة كاملة كان من الممكن إنقاذها. لذلك فإن السؤال الحقيقى فى كل تلك الوقائع البشعة ليس «لماذا ارتكب إنسان جريمة؟» لكنه: لماذا تركناه يصل إلى اللحظة التى انهزم فيها أمام نفسه؟.
نقلا عن المصري اليوم





