أكرم ألفي
في 1968 نشر بول إيرليخ Ehrlich كتابه "القنبلة السكانية" (The Population Bomb).. هذا الكتاب الذي هيمن على فكر السكان بتوقعه انفجار سكاني كارثي ومجاعة جماعية في العالم ومعتمداً على مشاهدات للحشود البشرية الهائلة في المدن الهندية. أيرليخ توقع موت مئات الملايين من البشر بسبب مجاعات قاسية نتيجة للانفجار السكاني العالمي. 

"النهاية الديموغرافية المروعة" التي تنبأ بها إيرليخ لم تحدث فبعد 58 عاماً من نشر الكتاب تضاعف عدد سكان العالم من 3.55 مليار نسمة إلى 8.2 مليار نسمة (بحسب بيانات الأمم المتحدة) وعلى الرغم من ذلك لم تحدث المجاعة الكارثية ولم يموت مئات الملايين بسبب الجوع في الهند كما كتب أيرليخ نصاً. 

على النقيض فقد أصبح العالم أفضل، حيث أصبح البشر يعيشون حياة أطول وأكثر صحة ورخاء مقارنة بستينيات القرن الماضي عندما كان عدد البشر أقل من 4 مليارات نسمة.. بالمثل كان مستوى معيشة السكان في العالم خلال الستينيات أفضل من مستوى المعيشة عندما كان البشر لا يزيد عن ملياري نسمة وبالطبع الوضع لا يقارن بحياة البشر في بداية القرن التاسع عشر عندما كان البشر لا يزيد عددهم عن مليار نسمة. 

لقد ازدهرت البشرية بالتزامن مع وصول عدد السكان إلى أعلى مستوياته؛ فالزيادة الكبيرة في سكان المعمورة خلال العقود الماضية لم تؤدِ إلى المجاعات والفقر المدقع الناجم عن استنزاف الموارد -كما تنبأ إيرليخ- بل أفضت إلى ازدهار بشري لم يشهد التاريخ له مثيلاً.

إن هزيمة نبوءة إيرليخ كانت انتصاراً لتوقعات جوليان سيمون الذي اعتبر أن أعظم الموارد ليس النفط أو الفحم أو النحاس أو الأراضي الزراعية، بل العقل البشري. فقد كان يرى أن زيادة عدد السكان وخاصة المتعلمين منهم ستؤدي إلى إيجاد حلول لنقص الموارد، حيث سيعملون على اكتشاف مصادر جديدة أو إيجاد بدائل لها، فالعالم اليوم مقارنة بالستينيات من القرن الماضي يتميز بارتفاع مستويات التعليم، وتحسن ظروف السكن، وزيادة إنتاج الغذاء، وانخفاض معدلات سوء التغذية، وزيادة متوسط العمر المتوقع. 

إن أزمة رؤية إيرليخ أنها ليس فقط في النظرة القاتمة والناقمة على البشرية بل في تداعياتها الكارثية في اعتبار البشر عبء وليس قوة للتقدم.. إنها تعبير عن "الفاشية السكانية" التي وضع الكاهن الكئيب مالتوس قواعدها في مقالته الشهيرة عن المسألة السكانية في 1798. 

هنا يرى التيار المعارض لرؤى إيرليخ وانا منهم أنه لو كان إيرليخ يعيش وسطنا اليوم ربما شكك في تراجع معدلات الخصوبة العالمية وصمم على أن كل مولود هو كارثة فيما يرى التيار الذي انتمي له  أن عقوداً من نقص المواليد تشكل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد والبشرية فانكماش السكان في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وأغلب بلدان اوروبا يكشف عن صورة قاتمة ومؤلمة ما بين غلق المدارس وتحول قرى كاملة إلى مدن أشباح..

يقول الكاتب الأمريكي بول مورلاند (أحد أهم المدافعين عن التيار الذي انتمي له) إنه من المحبط عند نقد إيرليخ ومن يسير على دربه، هو أنك ستجد حتماً في التعليق على كتابتنا من يقول: "في البداية أخبرونا أن عدد السكان كبير جداً، والآن يخبروننا بأنه غير كافٍ". ورداً على ذلك، نقول: إذا نصحتك نشرة الأحوال الجوية بتجنب الثلوج والجليد، ثم نصحتك بعد بضعة أشهر بالحرص من ارتفاع درجة الحرارة بشرب الماء   والابتعاد عن الشمس، فإنك تعتبر ذلك أمراً طبيعياً تماماً؛ لأن الطقس يتغير. وكذلك إذا تحدث الاقتصاديون عن مخاطر التضخم ثم تحدثوا بعد عام عن خطر الركود فإن الرأي العام يتقبل الأمر ويتعامل معه كأمر طبيعي 

ولكن إذا تحدث خبراء الديموغرافيا وانتقلوا من القلق من الانفجار السكاني وضرورة تنظيم الأسرة إلى القلق بشأن شيخوخة السكان ونقص السكان في العالم نظرا للتحولات السكانية فالرأي العام يتهمهم بالتناقض!.