د. مينا ملاك عازر
شهدت الأسبوعان الأخيران جولة جديدة شديدة العنف من المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، إثر تعثر تطبيق التفاهمات الإقليمية وإغلاق الممرات المائية. وفيما يلي قراءة متأنية ومحايدة تعتمد على رصد الخسائر، والتقييم الاقتصادي، والمواقف التفاوضية للطرفين.

أولاً: تقييم الخسائر العسكرية والميدانية للطرفين
 * خسائر إيران:

   تكبدت إيران خسائر تكتيكية وهيكلية ملموسة في بنيتها العسكرية. تركزت الأضرار في تدمير عدد من منظومات الدفاع الجوي الرادارية على طول الشريط الساحلي لخليج عمان ومضيق هرمز، مما أتاح سلاح الجو الأمريكي تحقيق قدر من التفوق الجوي فوق المناطق الساحلية. كما أدت الضربات المركزة إلى إلحاق أضرار بمنصات إطلاق الصواريخ ومرافق تجميع المسيرات، إضافة إلى استهداف مقرات قيادية تابعة للحرس الثوري وتدمير أجزاء من شبكة الطرق والجسر اللوجستي المحوري بين بندر عباس ورودان.

 * خسائر الولايات المتحدة الأمريكية:
   رغم تفوقها التكنولوجي، واجهت الولايات المتحدة خسائر بشرية وسياسية وازنة. تسبب استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وخاصة قاعدة الأزرق في الأردن وقواعد في الخليج، في سقوط قتلى وإصابات في صفوف الجنود الأمريكيين. كما تعرضت المنظومات الدفاعية الأمريكية لاستنزاف عملياتي كبير نتيجة التعامل المستمر مع أسراب المسيرات والصواريخ، بالإضافة إلى تعرض استراتيجية حماية الملاحة البحرية لاختبار حرج نتيجة استمرار تعثر حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.

 * التأثير على العالم:
   تسبب هذا التصعيد المتبادل في شلل شبه تام للملاحة التجارية ونقل الطاقة عبر مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتباك سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع كلفة التأمين البحري والنولون، وعودة أسعار النفط والغاز للارتفاع مجدداً.

ثانياً: المقارنة بين الخسائر الاقتصادية للطرفين
 * الخسائر الاقتصادية لإيران:

   تعتمد إيران على موازنة مشدودة بالفعل، ومواجهة تجدد الضربات والحصار البحري يفرض عليها خسائر مباشرة:
   خسارة العوائد النفطية اليومية بسبب تعطل التصدير عبر الموانئ الرئيسية.
   تكاليف إعادة إعمار البنية التحتية العسكرية واللوجستية المستهدفة.
   انخفاض إضافي في القيمة الشرائية للعملة المحلية وتزايد الضغوط التضخمية بداخل الأسواق الإيرانية.

 * الخسائر الاقتصادية للولايات المتحدة:
   على الرغم من كبر حجم الاقتصاد الأمريكي وقدرته على امتصاص الصدمات المالية، إلا أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة تُعد مرتفعة:
   التكلفة التشغيلية العالية للحملات الجوية والبحرية ونشر القطع الحربية الكبرى.
   الفارق الكبير في كلفة الصدمة المالية، حيث تستخدم واشنطن صواريخ اعتراضية متطورة للغاية وباهظة الثمن للتصدي لمقذوفات وطائرات مسيرة منخفضة التكلفة.
   الضرر الممتد على الاقتصاد الأمريكي عبر موجات التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، مما يضغط على الأسواق المالية ومعدلات الفائدة.

ثالثاً: المقارنة بين الموقفين السياسي والتفاوضي ونقاط الضغط
 * الموقف السياسي والتفاوضي لـ إيران:

   تعتمد طهران على استراتيجية الصمود وتوزيع المخاطر إقليمياً. يرى القادة الإيرانيون أن قبول شروط واشنطن في ظل الصدمات العسكرية يمثل انكساراً استراتيجياً، لذا يستمرون في ربط أمن الملاحة بفك الحصار الشامل.
   نقاط الضغط على إيران: يكمن الضغط الأكبر في الوضع الاقتصادي الداخلي، وتآكل مخزونات السلع، ومنع الوصول للسيولة النقدية، فضلاً عن المخاوف من اتساع نطاق الضربات لتطال المنشآت الحيوية التي تمس هيكل الدولة.

 * الموقف السياسي والتفاوضي لـ الولايات المتحدة:
   تتحرك الإدارة الأمريكية تحت ضغط الرأي العام والكونغرس مع تصاعد الخسائر البشرية بين الجنود الأمريكيين. الموقف الأمريكي محكوم بالرغبة في تحقيق ردع حاسم دون الانزلاق إلى حرب برية أو استنزاف مفتوح طويل الأمد.

   نقاط الضغط على أمريكا: تتلخص نقاط الضغط في خشية ارتفاع أسعار الوقود عالمياً ومحلياً مما يؤثر على أداء الاقتصاد الأمريكي، والرفض السياسي الداخلي للحروب المفتوحة، إضافة إلى ضغوط الحلفاء الإقليميين المتضررين من اضطراب أمن الطاقة والتجارة.

رابعاً: حسم التقييم.. أيهما أضعف تفاوضياً؟
عند إجراء مفاضلة دقيقة وصارمة بين موقف الطرفين على طاولة المفاوضات:

من الناحية المادية والعسكرية المباشرة: تبدو إيران في موقف أضعف بسبب الانكشاف الجوي، والخسائر في البنية التحتية، وخنق الموارد الاقتصادية المباشرة.

من الناحية القدرة على تحمل استنزاف الوقت: تبدو الولايات المتحدة في موقف أكثر حرجاً وسياسياً أضعف تفاوضياً؛ حيث لا تملك الإدارة الأمريكية هامش زمن مفتوح لتحمل سقوط قتلى في صفوف قواتها أو تحمل أزمة طاقة عالمية ممتدة دون الوصول لنتائج حاسمة.

الخلاصة:
الطرفان يعيشان حالة تعادل سلبي؛ فلا الإدارة الأمريكية قادرة على فرض استسلام كامل بالقوة العسكرية دون دفع ثمن سياسي واقتصادي باهظ، ولا طهران قادرة على كسره بالحصار دون تحمل خسائر بنيوية قاسية. وبالتالي، فإن العودة لمائدة المفاوضات تظل المسار الوحيد الحتمي، حيث سيسعى كل طرف لاستغلال أوراق الضغط الأخيرة لصياغة ملحق تعديلي يضمن رفع الحصار مقابل تأمين حركة الملاحة.