د. رامي عطا صديق
عبر سنوات مضت قدمت قناة «الوثائقية» أعمالًا إبداعية، رائدة ومتميزة، توثق لكثير من جوانب تاريخنا السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى، وقد شاركت مؤخرًا فى بعض الأعمال التى أنتجتها القناة، مثل فيلم عن مؤسسة الأهرام الصحفية بمناسبة مرور مائة وخمسين عامًا على تأسيسها (١٨٧٥-٢٠٢٥م)، وفيلم آخر عن البرلمانى الشهير ويصا واصف رئيس مجلس النواب (١٨٧٣-١٩٣١م).

ومنذ فترة قريبة تبنت «الوثائقية» مشروعًا رائدًا ومهمًا، يتلخص فى إنتاج السلسلة الوثائقية «مدارس مصرية»، وهى سلسلة توثق نشأة التعليم المصرى الرسمى الحديث وتطوره، من خلال تسليط الضوء على عدد من المدارس المصرية العريقة، التى يمتد تاريخها إلى قرابة مائة عام، ومنها ما يصل إلى مائتى عام. وترصد السلسلة الوثائقية إسهامات تلك المدارس فى التعليم والثقافة وتشكيل الوجدان العام لأجيال مختلفة على مدار التاريخ المصرى الحديث والمعاصر، ودورها فى العديد من القضايا الوطنية والأحداث المجتمعية التى مرت بها مصر، مع إطلالة على الأنساق المعمارية التى تفردت بها، بالإضافة إلى إبراز أشهر خريجى تلك المدارس من المؤثرين فى الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والأدبية والفنية، وغيرها من المجالات.

وقد تم إنجاز ثمانية أفلام وثائقية حتى الآن من سلسلة «مدارس مصرية»، هى مدرسة السعيدية بالجيزة، ومدارس الخديوية والسنية وخليل أغا والتوفيقية بالقاهرة، ومعهد دون بوسكو ومدرسة كلية سان مارك ومدرسة كلية النصر «ڤيكتوريا كوليدچ» بالإسكندرية.

يرأس قناة الوثائقية الزميل العزيز شريف سعيد، وتتولى إخراج هذه الأفلام الصحفية والإعلامية أسماء إبراهيم، التى قدمت من قبل عدة أعمال تسجيلية ووثائقية مُبدعة ومُلهمة مثل: فيلم «كريستين عبقرية مكان» الذى يُلقى الضوء على أول معيدة مصرية مسيحية تتخصص فى اللغة العربية والدراسات الإسلامية بكلية التربية جامعة قناة السويس، بصورة تعكس معانى المحبة والتسامح والسلام، وفيلم «الكعكة الحجرية» الذى يتناول تاريخ ميدان التحرير بوسط القاهرة والشوارع الخارجة منه والداخلة إليه والمؤسسات المُطلة عليه، وفيلم «حاتم.. فارس ماسبيرو» عن الدكتور عبد القادر حاتم أحد أبرز وزراء الإعلام، وفيلم «الجمهورية الجديدة» من إنتاج مؤسسة الأهرام، والفيلم الروائى القصير «محمود مختار»، وفيلم «الشرقية.. الحصان الجامح» فى إطار سلسلة محافظات مصر، ولها فيلم مستقل بعنوان «شارع شامبليون.. تأملات مدينية».

وكثيرًا ما كنت أستضيفها لتعرض بعض أعمالها على طلاب الإعلام، وعقب كل عرض يدور حوار هادئ ونقاش موضوعى يركز على موضوع الفيلم ودور الأفلام التسجيلية والوثائقية فى نشر الثقافة العامة والمعرفة فى صورة سمعية وبصرية.

تتطلع الزميلة العزيزة أسماء إبراهيم، ومعها فريق العمل، إلى أن يستمر مشروع «مدارس مصرية» ليشمل مجموعة مدارس أخرى خارج القاهرة والإسكندرية، فى مدن الوجهين القبلى والبحرى، حيث شهدت مصر الكثير من المبادرات الحكومية والأهلية فى سنوات القرن التاسع عشر والقرن العشرين، الخاصة بتأسيس مدارس عريقة وعظيمة، اهتمت بنشر التعليم وخرّجت أجيالًا من الرواد والمبتكرين والمُبدعين، ممن كان لهم دور بارز وحضور مؤثر فى مختلف مجالات العلم والأدب وفروع المعرفة الإنسانية.

ولعل أهم ما يميز هذا المشروع هو توثيق تاريخ المدارس المصرية صاحبة المسيرة والدور والتأثير، بصورة تعكس جانبًا من تاريخ الحركة التعليمية فى مصر، وحركة المثقفين المصريين، وغيرهم من الوافدين الأجانب، من حيث اهتمامهم بالتعليم. ومن جانب آخر تقديم هذا التاريخ فى صورة شائقة وجذابة للأجيال الجديدة، مع مهارة واضحة فى البحث وجمع المعلومات، وبراعة فى كتابة السيناريو والتصوير والمونتاج.

أتمنى أن يتسع هذا المشروع ليشمل إعداد أفلام وثائقية عن الجامعات المصرية وكلياتها ومعاهدها، والمراكز البحثية الرائدة والمتميزة، مع العناية بتسليط الضوء على أبرز روادها ورموزها، وأقترح عرض تلك الأعمال فى مختلف المدارس وكليات التربية ورياض الأطفال، بالإضافة إلى عرضها عبر شبكات التواصل الاجتماعى والمنصات الرقمية، ليتعرف الدارسون والجمهور العام على تاريخ التربية والتعليم والبحث العلمى فى مصر الحديثة والمعاصرة.

تحياتى وتقديرى لفريق عمل قناة «الوثائقية» على جهود مُحترمة وأعمال مقدّرة، تقدم إعلامًا جادًا، هادفًا ورصينًا، يُسهم بالأساس فى عملية التثقيف والتنوير وحفظ الذاكرة التاريخية الوطنية، ويشارك فى بناء وعى المواطن المصرى.
نقلا عن المصري اليوم