هاني لبيب
اعتمدت إيران منذ قيام نظام الخمينى سنة ١٩٧٨ على ما يمكن أن نطلق عليه «الدفاع المتقدم»، والذى يرتكز على أن أفضل وسيلة لحماية الداخل الإيرانى.. هى إدارة الصراعات بنقل خطوط الاشتباك إلى خارج حدود الأراضى الإيرانية. وبالتالى، أصبح النفوذ الإقليمى جزءاً من منظومة الأمن القومى الإيرانى، وليس مجرد امتداد لسياستها الخارجية لأنه كلما اتسعت دوائر الحلفاء، ازدادت قدرة إيران على ردع خصومها وتقليل احتمالات تعرضها للهجوم المباشر، كما أن إدارة الصراعات خارج حدودها هو أقل تكلفة من خوضها داخل الأراضى الإيرانية.

لا تتوقف الحدود الجيوسياسية والأمنية الإيرانية عند نطاق حدودها الجغرافية، وإنما تمتد إلى كل نقطة يمكن أن تتسبب فى تهديد استراتيجى لها. وهو ما جعلها تستهدف بناء عمق أمنى فى عدد من الساحات الإقليمية من خلال بناء علاقات مع حكومات وحركات وجماعات سياسية وفصائل مسلحة فى عدة دول بالمنطقة. وهو ما حقق لها مزايا متعددة سواء بكونه أقل تكلفة من الانتشار العسكرى المباشر، أو من خلال توفيره أدوات ردع مرنة، أو بمنحها القدرة على التأثير فى الأزمات الإقليمية.. دون الانخراط فى مواجهة تقليدية مباشرة.

سخرت إيران ما وصفته بمحور المقاومة ليس باعتباره مجرد تحالف سياسى، بل كشبكة ردع متعددة الجبهات. وبدلاً من الاعتماد على جبهة واحدة، ارتكز هذا المحور على توزيع عناصر القوة فى أكثر من منطقة جغرافية.. مما جعل أى مواجهة مع إيران، يمكن أن تمتد إلى عدة مسارح للعمليات فى الوقت نفسه. وهو ما يفسر استثمار إيران المكثف للصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة.. كنوع من تدارك توازنات القوة الجوية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. كما تعطى العقيدة الإيرانية أولوية خاصة للممرات البحرية.. خاصة بالطبع مضيق هرمز، كما تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً لتوازنات الردع الإقليمية لها. وهكذا نرى، أن الهيمنة الجيوسياسية فى الفكر الإيرانى لا تقتصر على الحدود، بل تستغلها كورقة ضغط.. يمكن استخدامها فى ذروة الأزمات للتأثير فى حركة التجارة والطاقة واضعاف حسابات الخصوم.

تأتى العقيدة الأمنية الإسرائيلية على النقيض مما سبق.. لكونها ترتكز على مبدأ أن الدولة بحكم مساحتها المحدودة وعمقها الجغرافى المحاصر، لا تستطيع تحمل أى حرب طويلة الأمد أو السماح بانتقالها إلى داخل أراضيها. ولذلك تعتمد السرعة والردع والتفوق النوعى والعمل الاستخباراتى المبكر.. باعتبارها الركائز الأساسية لفلسفة الفكر الأمنى الإسرائيلى.

ترتكز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على مبدأ أن أفضل وسيلة للدفاع هى منع العدو من امتلاك القدرة على المبادرة، وهو ما يفسر اعتمادها على العمليات العسكرية والاستخباراتية خارج حدودها.. عندما تستشعر ظهور أى تهديد استراتيجى جديد لها. وهكذا، تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على تفوق تقنى وعسكرى واضح بينها وبين جميع القوى الإقليمية المحيطة بها.. سواء عبر تطوير الصناعات العسكرية أو تحديث منظوماتها الجوية والبحرية أو تعزيز قدراتها الرقمية. كما تحرص على اتساع هذه الفجوة باعتبارها عنصراً لردع أعدائها ومنعهم من مجرد التفكير فى مواجهة مباشرة معها. بالإضافة إلى حرصها على منعهم من امتلاك أى قدرات عسكرية متقدمة من شأنها أن تغير فى ميزان القوى، على غرار: البرامج النووية ومنظومات الصواريخ بعيدة المدى. وتميل العقيدة الأمنية الإسرائيلية إلى تجنب الصراعات الطويلة التى تستنزف الاقتصاد وقواتها العسكرية المسلحة.

تسعى إيران وإسرائيل إلى تعزيز أمنهما القومى، ويظل الاختلاف بينهما يكمن فى تعريف مصدر التهديد وأدوات التعامل معه. ولذا نجد تركيز إيران على توسيع عمقها الاستراتيجى وبناء شبكة نفوذ إقليمية.. تضعف من احتمالات استهدافها، أما إسرائيل.. فتسعى إلى منع ظهور أى تهديدات استراتيجية والمحافظة المستمرة على تفوقها العسكرى.


وهكذا نرى أنه إذا كان معيار التقييم هو القدرة العسكرية التقليدية، فإن إسرائيل تمتلك تفوقاً واضحاً فى القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية، وهو ما جعلها طرفاً عسكرياً بالغ التأثير فى الإقليم. أما إذا كان المعيار هو التأثير فى البنية الداخلية للدول المحيطة بها، فإن النفوذ الإيرانى كان الأكثر حضوراً فى المنطقة العربية خلال السنوات الأخيرة فى كل من: فلسطين والعراق ولبنان وسوريا واليمن، وهو التأثير الذى تجاوز العلاقات بين الدول إلى التوازنات داخل بعض الدول نفسها.

الأهمية والفرق هنا من خلال محددات الأمن القومى العربى.. التى تتمثل فى أن التهديدات التى تمس تماسك مؤسسات الدولة أو احتكارها فى استخدام القوة.. تعد تحدياً مختلفاً تماماً عن التهديدات العسكرية التقليدية بين الدول.

نقطة ومن أول السطر..

تركز العقيدة الاستراتيجية الإيرانية على تعظيم نفوذها وبناء شبكات ردع إقليمية. بينما تركز العقيدة الأمنية الإسرائيلية على الحفاظ على تفوقها العسكرى ومنع ظهور تهديدات استراتيجية. ويختلف تأثير كل منهما على الأمن القومى العربى حسب طبيعة الدولة، وموقعها الجغرافى، وأولوياتها الأمنية.
نقلا عن المصري اليوم