خَلْق المرأة: الأصوليّ وجد ضلعًا… والآباء وجدوا الكنيسة!

يقرأ الأصوليّ قصّة خلق المرأة كأنها تقرير أشعّة: آدم نام. ضلع اتشال.


الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
امرأة اتخلقت. وعمنا داروين قفل المعمل ومشي.  ثم تأتي الجملة السحريّة: "وده تعليم الآباء!". والحقيقة أن الصيغة الحديثة التي تحوّل كل تفصيل في سفر التكوين إلى معلومة في الأحياء أو الجيولوجيا اشتهرت خصوصًا داخل الأصوليّة البروتستانتيّة الأمريكيّة، في معاركها ضدّ النقد الكتابيّ ونظريّة التطوّر. ثم استوردناها إلى مصر، وأضفنا إليها قليلًا من البخور، وسمّيناها "التفسير الآبائيّ الأصيل"!

هل قرأ الآباء النصّ هكذا فعلًا؟ 
للإنصاف، كثير من الآباء قبلوا أن المرأة تكوّنت فعلًا من جنب آدم، حسب تصوّرهم للعالم في زمنهم. لكنهم لم يقفوا عند العظمة، ولم يحوّلوا سفر التكوين إلى كتاب تشريح. كان المعنى المباشر عندهم بابًا لفهم النصّ. قرأ القدّيس أغسطينوس نوم آدم، فرأى موت المسيح. وقرأ جنب آدم، فرأى جنب المسيح المطعون. وقرأ تكوين حواء، فرأى ميلاد الكنيسة: «ينام آدم لكي تتكوّن حواء، ويموت المسيح لكي تتكوّن الكنيسة. تتكوّن حواء من جنب آدم النائم، ومن جنب المسيح الميّت تفيض الأسرار التي تتكوّن بها الكنيسة».  أغسطينوس نفسه يسأل، بشيء من السخرية: «هل كان ضروريًّا أن ينام آدم لأنّ نزع الضلع يؤلم؟ فالله الذي يستطيع نزعه بلا ألم أثناء النوم كان يستطيع نزعه وهو مستيقظ!» أي إن النوم مدرج في القصّة لأنه يحمل سرًّا يتجاوز العملية الجراحيّة. وميثوديوس الأولمبيّ رأى في حواء صورةً للكنيسة، «حواء الروحيّة» التي تتكوّن من جنب المسيح. فبينما الأصوليّ لم يزل يسأل: «هل كده آدم نقص ضلع؟»، كان الآباء قد وصلوا إلى المسيح والروح والكنيسة والأسرار! 

وبعد قرون كثيرة، رأى القدّيس توما الأكوينيّ في هذا السرّ، في كتابه الشهير "الخلاصة اللاهوتيّة"، تعليمًا عن كرامة المرأة، وفي الوقت نفسه صورةً مسبقة لأصل الكنيسة من جنب المسيح المصلوب:

«إنّه مكتوب: "وبنى الربُّ الإلهُ الضلعَ التي أخذها من الإنسان امرأة" (تك 2: 22).. . كان من الملائم أن تُصنع المرأةُ من ضلع الرجل. أوّلًا، للدلالة على الاتّحاد الاجتماعيّ بين الرجل والمرأة؛ إذ لا ينبغي للمرأة أن تتسلّط على الرجل، لذلك لم تُصنع من رأسه؛ كما لم يكن من الملائم أن تكون عرضةً لازدراء الرجل وكأنّها أَمَةً له، ولذلك لم تُصنع من قدميه. ثانيًا، لدلالة الأسرار؛ لأنّه من جنْب المسيح النائم على الصليب فاضت الأسرار، أي الدم والماء، اللذان تأسّست الكنيسة عليهما».

طبعًا، توما ابن القرن الثالث عشر، ولن يفوز على الأرجح بجائزة الفكر النسويّ المعاصر 😀. وعبارته عن سلطة الرجل تحمل بوضوح لغة زمنه. لكنه، مع ذلك، يرفض أن يكون خلق المرأة من الرجل شهادة عبوديّة: لم تُصنع من قدميه حتى تكون أَمَةً محتقرة، بل من جنبه بوصفها شريكةً له. ثم ينقل القراءة فورًا من ضلع آدم إلى جنب المسيح والكنيسة.

وحتى اليوم يكرّر "التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة" القراءة نفسها:
«وكما أن حواء كونت من ضلع آدم النائم كذلك الكنيسة نشأت من قلب المسيح المائت على الصليب مطعوناً بحربة».)

إذًا، المشكلة ليست في قبول المعنى المباشر أو رفضه. المشكلة تبدأ حين نختزل النصّ فيه، ثم نستخدمه بوصفه سلاحًا ضدّ العلم، وكأن الإيمان المسيحيّ قائم على إثبات أن المرأة بدأت من قطعة عظم! الآباء لم يكونوا علماء تطوّر، ولم يعرفوا داروين أصلًا. لكن قراءتهم تكشف أن الأمانة للكتاب لا تعني تحويله إلى كتاب أحياء، وأن النصّ المقدّس يستطيع أن يحمل معنى تاريخيًّا ورمزيًّا ومسيحيًّا وكنسيًّا في الوقت نفسه.

الأصوليّ رأى ضلعًا، فدخل به معركةً مع التطوّر. والآباء رأوا الضلع نفسه، فوصلوا منه إلى الصليب والكنيسة والأسرار. واحد وقف عند الأشعّة… والآخرون أكملوا قراءة الإنجيل. 😀

فحين يقول لك أحدهم: «ده تعليم الآباء»، لا تصدّقه فورًا. ربما يكون قد شاهد فيديو أمريكيًّا مترجمًا، ثم وضع عليه موسيقى طقسيّة وعلبة بخور!
(اللوحة للفنان جورج فريدريك وات ١٨٦٥-١٨٩٩)

المراجع:
Augustine, In Iohannis Evangelium Tractatus, 9.10.
Methodius of Olympus, Symposium; or, The Banquet of the Ten Virgins, Discourse III, ch. 8.
Thomas Aquinas, Summa Theologiae, I, q. 92, a. 3, corpus.
التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، فقرة ٧٦٦.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى