الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
انتشر منشور يحذّر من كتابات ماريا ڤالتورتا، وهذا في ذاته حقّ مشروع؛ فمن واجب الكنائس والباحثين توضيح طبيعة الكتب الدينيّة، والتمييز بين الأناجيل القانونية الموحى بها، والكتابات الروحية والأدبية، والرؤى الخاصة المزعومة.

لكن التحذير شيء، وتحويل الموضوع إلى حفلة من الشتائم واللعنات واتهام الناس بأنّهم "تلبّستهم أرواح فكر الشر" شيء آخر تمامًا. فماذا قال "مجمع عقيدة الإيمان" في الكرسي الرسوليّ (الفاتيكان) عن كتابات ماريا ڤالتورتا؟

في ٢٢ فبراير ٢٠٢٥ أصدر المجمع البيان الآتي، وأترجمه هنا كاملًا إلى العربية:
«مجمع عقيدة الإيمان
بيانٌ صحفيّ في شأن كتابات ماريا ڤالتورتا

يتلقّى الكرسيّ الرسوليّ مرارًا طلباتٍ من الإكليروس والعلمانيّين على السواء، يلتمسون فيها توضيح موقف الكنيسة من كتابات ماريا ڤالتورتا، ومنها عملها المعنون بالإيطالية Il poema dell’Uomo Dio، أي «قصيدة الإنسان الإله»، المعروف حاليًّا بعنوان L’Evangelo come mi è stato rivelato، أي «الإنجيل كما كُشف لي»، فضلًا عن مؤلّفاتٍ أخرى.

ويجب التأكيد من جديد أنّ ما تتضمّنه كتابات ماريا ڤالتورتا من "رؤى" و"إعلانات" و"رسائل" مزعومة، أو ما يُنسب إليها من ذلك، لا يجوز احتسابه ذا أصلٍ فائق للطبيعة. بل ينبغي النظر إليه بوصفه صيغًا أدبيّة استخدمتها المؤلِّفة لسرد حياة يسوع المسيح على طريقتها الخاصة. والكنيسة، في تقليدها الطويل، لا تقبل الأناجيل المنحولة وسائر النصوص المشابهة بوصفها نصوصًا معياريّة، لأنها لا تعترف بها بوصفها أسفارًا موحًى بها من الله. وإنما تُحيل إلى القراءة المأمونة للأناجيل الموحى بها.

الڤاتيكان، ٢٢ فبراير ٢٠٢٥.»
هذا هو النص الرسمي: واضح، هادئ، دقيق، ولا يحتاج إلى طبول حرب دينيّة. 

ماذا يعني البيان؟ يعني أولًا أن الكنيسة لا تعترف بالأصل الإلهيّ للرؤى والإعلانات المنسوبة إلى ڤالتورتا. فلا يجوز أن يقال إن المسيح أملى عليها إنجيلًا جديدًا، أو كشف لها حقائق مُلزمة للمؤمنين لم تُذكر في الأناجيل. ويعني ثانيًا أن هذه النصوص تُقرأ بوصفها كتابات أدبية ودينية صاغت فيها المؤلِّفة حياة يسوع وفق خيالها وطريقتها الخاصة. ومن ثم لا يجوز استعمالها مصدرًا تاريخيًّا موثوقًا لحياة المسيح، أو مساواتها بالكتاب المقدّس. ويعني ثالثًا أنها ليست نصوصًا معياريّة ولا موحى بها، ولا تستطيع أن تضيف شيئًا ملزمًا إلى الأناجيل الأربعة أو أن تحلّ محلها. المرجع الآمن لإيمان الكنيسة هو الأناجيل القانونية الموحى بها. 

وماذا لم يقل البيان؟
لم يقل إن ماريا ڤالتورتا كانت ممسوسة بشيطان. لم يقل إن الذي ظهر لها «روح شيطاني». لم يصف كتبها بأنها «إنجيل الشيطان». لم يصف مَن يقرأها بأنه «تلبّسته أرواح فكر الشر». ولم يطالب بطرد القرّاء أو الناشرين من الكنيسة. ولم يمنح أحدًا سلطة توزيع صكوك الحرمان واللعنات على الناس عبر فيسبوك.

يوجد فرق منطقي ولاهوتي شديد الوضوح بين قول الكنيسة: «لا نستطيع احتساب هذه الرؤى ذات أصل فائق للطبيعة»، وبين قول شخص متحمّس: «إذًا مصدرها الشيطان». فغياب الأصل الإلهي لا يثبت الأصل الشيطاني. بين الوحي الإلهي والعمل الشيطاني توجد مساحة بشرية هائلة: الخيال، والتأمل، والأدب، والمبالغة، والخطأ، والتديّن الشعبي، والتأثر النفسي والثقافي. وليس كل نص غير موحى به صادرًا من إبليس، وإلا أصبح نصف ما يباع في مكتبات الكنائس صادرًا من قسم النشر في الجحيم!

التحذير لا يحتاج إلى شيطنة؛ فمن المشروع تمامًا أن نقول للناس: هذه الكتب ليست وحيًا. ولا تنقل إلينا كلمات تاريخية مؤكدة قالها المسيح.

ولا يجوز تسميتها «إنجيلًا» فقد يسبّب عنوانها وطريقة تقديمها التباسًا لدى القارئ البسيط. لذلك يجب أن تُقرأ، إن قُرئت، بوصفها عملًا أدبيًّا دينيًّا، لا بوصفها إعلانًا جديدًا من المسيح. هذا تحذير مسؤول.

أما اتهام أشخاص بأرواح الشر، ووصف الكتب بالملعونة والشيطانية، والمطالبة بمحاكمة الناس وطردهم من جماعة المؤمنين، فهو خطاب أصولي يستخدم الخوف بدل البرهان، واللعنة بدل التمييز، والتهديد بدل التعليم.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ