عندما يصبح التريند هو "تقرير كيسنجر" لعام 1974 الخاص بالنمو السكاني في العالم

أكرم ألفى
ترددت كثيراً قبل كتابة هذا البوست فقد اطلعت على كامل مذكرة الأمن القومي الأميركي رقم 200 في عام 2011 بعد الإفراج عنها بأكثر من 11 عاماًـ هذه المذكرة التي اشتهرت بين دارسي الديموجرافيا بـ"تقرير كيسنجر" لأن توقيع كيسنجر كان يزينها..

خرج مفكر يتحدث عن أن هذا التقرير هو مؤامرة أميركية وأنه كان وراء خفض الخصوبة في العالم العربي والإسلامي وأنه ركز على مصر والبرازيل وأن قوانين "جيهان" كانت تعبيراً عن هذه الوثيقة وأن من وراء جهود تنظيم الأسرة هي وكالة المعونة الأميركية التي تأمرت على العرب والمسلمين.. 

طبعا أعرف مدى جاذبية خطاب المؤامرة وأدرك تماماً أن تريند أن أميركا والغرب بسعون لتقليص النسل لدى المصريين والعرب والمسلمين هو خطاب سيجد له جمهور واسع وأن بدء الحديث بمذكرة سرية كتبها كيسنجر لخفض السكان سيكون مدخلاً "رائعاً" بالنسبة لهذا الخطاب "التأمري".. ولكن

تحدث سامي العريان في بودكاست عن أنه عندما زار مسجد رابعة العدوية في 1975 خلال صلاة العيد كانت الخطبة عن تنظيم النسل وأنه أدرك بعد سنوات بعد الكشف عن وثيقة كيسنجر في عام 1999 بعد مرورة 25 عاماً ان ما كان هو تطبيق لسياسة أمريكية كانت مكتوبة في هذه الوثيقة..

بدءاً فإن مذكرة الأمن القومي الأمريكي رقم 200 لم تصبح قراراً أو يتحول إلى تقرير معتمد إلا في نوفمبر 1975 باقرار فورد وبالتالي تحولها إلى سياسة بعد صلاة العيد في 1975!. 

إن المذكرة الشهيرة للأمن القومي الأميركي لم تركز على مصر والبرازيل كما تحدث سامي العريان بل ذكرت 13 دولة هم: الهند، وبنغلاديش، وباكستان، وإندونيسيا، وتايلاند، والفلبين، وتركيا، ونيجيريا، ومصر، وإثيوبيا، والمكسيك، وكولومبيا، والبرازيل. والتي كان وقتها تساهم بنحو 47% من إجمالي النمو السكاني العالمي.

الوثيقة كانت تتحدث عن خطاب متعلق بالأمن القومي الأميركي كرره هانتنجتون فيما بعد في صدام الحضارات وفريد زكريا في أكثر من مقال في "نيوزويك" بشان أن نمو السكان في الدول الفقيرة يمثل تهديداً للامن القومي الأميركي بسبب أنه يزيد من احتمال الاضطرابات في هذه الدول وبالتالي فإن سياسات تنظيم الأسرة وتشجيعها سيساهم في خفض وتيرة النمو السكاني مما يقلل من مخاطر الاضطرابات وبالتالي تهديد مصالح أمريكا الاقتصادية والسياسية.. فهو خطاب ليس سرياً ومكتوب تفصيلا في كتابات هانتنجتون. 

ولكن.. خلال 4 عقود لم تنجح هذه السياسة في تحقيق أهدافها بل ارتفع معدل النمو السكاني في كافة البلدان الـ13 خلال الثمانينيات والتسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي بوتيرة كانت الأعلى بسبب انخفاض حاد في معدل الوفيات وارتفاع معدلات المواليد.. 

وثيقة نيكسون مثل أي وثيقة تحمل المصالح الأمريكية ولكن سياسات المعونة الأمريكية في توفير وسائل الحمل والحملات لتنظيم الأسرة لم تؤت ثمارها بحسب أكثر من تقرير أمريكي..

ما حدث هو أن العديد من دول العالم بدات في إدراك مخاطر النمو السكاني المنفلت وتكونت نخب تسعى للفع نحو تنظيم الأسرة وهي نخب في أغلبها وطنية جدا وتحمل مشروع ورؤية تقوم على مصالح دولها وهو ما لا ينفي وجود بعض والبعض القليل الذي تحرك بأجندة عالمية وهذا حدث بالفعل..

ولكن مرة أخرى أن انخفاض النمو السكاني لم يحدث في الدول الـ13 إلا قبل 10 سنوات في تعبير واضح عن تحولات اجتماعية تتعلق بالحداثة وتعليم الفتيات وانخراط النساء في سوق العمل وهيمنة العمل المؤقت وأسباب كثر تحدثت فيها مراراً وتكراراً.

خلال العقود الماضية من شهد ازمة انكماش سكاني كانت الدول الأوروبية بالأساس والصين واليابان وكوريا الجنوبية وشهدت أمريكا تدهو حاد في الخصوبة بدون "مؤامرة أمريكية" بالطبع. 

إن استغلال النخب المصرية العاملة في مجال تنظيم الأسرة توافق السياسة الأمريكية بتوفير وسائل منع الحمل في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحالي كانت تعبيراً عن تلاقي للمصالح وليس "المؤامرة"، مثلما تلاقت مصالح التيار الذي يميل له سامي العريان مع المصالح الأميركية في نهاية العقد الأول من القرن الحالي سياسياً. 

ما يحدث في انخفاض للنمو السكاني في مصر والعالم العربي هو تعبير عن تحولات اجتماعية عالمية وصلت متأخرة كالعادة إلى منطقتنا فلم اسمع في الصين عن "مؤامرة أمريكية" لخفض السكان ولا في بنجلاديش ولا في البرازيل .. ولكننا نعشق "المؤامرة".. 

المؤامرة حقيقة سياسية بالطبع ولكن في مجال السكان فإن السياسة الأمريكية فشلت تماماً وبعد أن تم وقف أغلب المساعدات الأمريكية الخاصة بتنظيم الأسرة في هذه الدول بدأ منحنى الانخفاض السكاني!!!!