الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
في حياتنا الكنسية المصرية، توجد معجزة لا تقل إثارة عن إقامة الموتى: أن يقول شخصٌ ما رأيًا خاصًا، ثم يُضاف إليه لقب كنسي، فيتحول الرأي فورًا إلى "العقيدة المستقيمة التي تسلّمناها من الرسل والآباء".
وكلما ارتفع صوت المتكلم، وطالت لحيته، وكثرت الصلبان في خلفية الفيديو، اقترب رأيه أكثر من درجة العصمة. لكن في الحقيقة تعرف الكنيسة فرقًا واضحًا بين "العقيدة" و"الرأي اللاهوتيّ". العقيدة هي ما تسلّمته الكنيسة الجامعة بوصفه من صميم إيمانها: الله الواحد الثالوث، تجسّد الابن، موته وقيامته، عمل الروح القدس، ورجاء قيامة الموتى. لهذا نقولها معًا في قانون الإيمان، ولا نقول: نؤمن بكل ما شرحه الواعظ فلان في مؤتمر سنة ١٩٩٠.
أما الرأي اللاهوتي فهو محاولة لفهم العقيدة والتعبير عنها. العقيدة تقول إن المسيح خلّص الإنسان؛ ثم يستخدم اللاهوت صورًا متعددة لشرح سر الخلاص: النصرة على الموت، والفداء، والذبيحة، والمصالحة، والتبنّي، والتألّه. هذه الصور حاضرة بدرجات مختلفة عند الآباء، ولا تصبح إحداها وحدها كل العقيدة، ثم نوزع تهم الهرطقة على مَن يستخدم صورة أخرى. والعقيدة تقول إن الله خالق السماء والأرض. أما القول إن أيام التكوين الستة أربع وعشرون ساعة بالحرف، أو إنها مراحل رمزية، أو إن التطور يمكن فهمه داخل فعل الخلق، فهذه تفسيرات لاهوتية وعلمية تحتاج إلى نقاش. ومع ذلك يستطيع الأصوليّ أن يحوّل رأيه في الديناصورات إلى معيار للإيمان المستقيم، وكأن مجمع نيقية اجتمع أيضًا لحسم عمر التيرانوصور.
الخلط لا يتوقف عند الرأي اللاهوتي؛ إذ يدخل معه الطقس والعادة المحلية والذوق الشخصي في خلّاط واحد. فيتحول ترتيب طقسي إلى عقيدة، ولحن محلي إلى تسليم رسولي، ورأي أب اعتراف إلى وصية إلهية، وما اعتدناه منذ طفولتنا إلى شيء فعله مار مرقس بنفسه فور وصوله إلى الإسكندرية. ثم يُكتب على الكل "ممنوع المناقشة حفاظًا على الإيمان".
العلاقة بين الأسقف وعالِم اللاهوت تكمن في أنّ الأسقف يحمل مسؤولية التعليم والرعاية والمحافظة على وحدة الإيمان، أمّا اللاهوتي فيصغي إلى كلمة الله إصغاءً علميًّا، ويدرس الكتاب والتقليد والتاريخ واللغة، ثم يساعد الكنيسة على فهم ما تؤمن به والتعبير عنه في أسئلة العصر. يمكن القول إن مهمة اللاهوتي تبدأ "بالإصغاء المتخصص"، بينما تتركز مهمة سلطة التعليم في "إعلان الكلمة التي أصغت إليها الكنيسة"؛ لكنها لا تقوم بهذا الإعلان في فراغ، بل تستعين بعمل اللاهوتيين. فالأسقف لا يصير بسيامته متخصصًا تلقائيًا في النقد النصي والفلسفة وتاريخ العقائد والعلوم الإنسانية، كما أن اللاهوتي لا يصير بشهادته أسقفًا أو مجمعًا مسكونيًا يحمل حقيبته من مؤتمر إلى آخر. والأفضل للكنيسة أن يلتقي السلطان الرسمي بالكفاءة وبالمصداقية الشخصية، لا أن يُطلب من الشعب تصديق كلام ضعيف فقط لأن قائله يرتدي ملابس كهنوتيّة.
كما أن اللاهوتي يؤدي دورًا وسيطًا مهمًا بين تعليم الكنيسة والشعب. فالوثيقة الكنسية قد تكون صحيحة، لكن الناس قد يفهمونها خطأ، أو يسمعونها خارج سياقها، أو يحوّلونها إلى شعار يخدم معركة محلية. هنا يأتي دور اللاهوتي في التفسير والترجمة وربط الجزء بالكل. وفي الاتجاه الآخر، تحتاج سلطة التعليم إلى اللاهوتيين كي تفهم أسئلة الشعب وإيمانه الحي، وتميّز بين العقيدة نفسها وبين اللغة الثقافية التي ارتدتها في عصر معين. والتعليم الكنسي واللاهوت كلاهما عمل جماعي. لذلك لا يوجد في التقليد الجاد "أسقف وان مان شو"، ولا "لاهوتي نبي آخر الزمان".
هذا طبيعي أن يحدث توتر بين سلطة التعليم واللاهوتيين. بل إن التوتر يوجد حيث توجد حياة حقيقية، ويمكن أن يصير قوةً تدفع الطرفين إلى فهم أعمق. أما الكنيسة التي لا يظهر فيها أي توتر ولا سؤال ولا اختلاف، فقد لا تكون بلغت وحدة الإيمان؛ ربما بلغ أفرادها فقط مرحلة الصمت خوفًا من العقوبة.
لهذا يُفترض أن يكون الحوار هو الطريق الأول عند ظهور رأي ملتبس أو مختلف. يُسأل صاحبه عما يقصده، ويُقرأ نصه كاملًا، ويُناقَش، وتُستشار مدارس لاهوتية متعددة. أما النسخة الأصولية المصرية فتعمل بالعكس: يُنشر أولًا بوست بعنوان «تحذير عاجل من التعليم الهدام»، ثم تبدأ لجان متخصصة في اكتشاف ما هو التعليم الهدام المقصود. ويزداد الأمر سوءًا حين تتحول مواقع التواصل إلى محكمة عقيدية. تُقتطع ثلاثون ثانية من محاضرة ساعتين، ثم يتولى أشخاص لا يعرفون الفرق بين أقنوم وأيقونة إصدار الحكم النهائي على إيمان المتكلم. وهكذا تنتقل المسألة من بحث عن الحقيقة إلى ضغط جماهيري، وتصبح العقيدة "تريند"، ويصير عدد التعليقات الغاضبة واحدًا من مصادر الوحي.
ولا يعني هذا أن كل رأي صحيح، فحرية البحث ليست فوضى، وهي مرتبطة بالحقيقة وإيمان الكنيسة ومسؤولية عدم تضليل المؤمنين. لكن حماية الإيمان لا تعني القضاء على التفكير؛ فالخوف من السؤال لا يدل على قوة العقيدة، بل أحيانًا على ضعف الثقة في قدرتنا على شرحها. من حقك أن تتمسك برأي آبائي أو مدرسة لاهوتية أو تفسير محافظ، لكن من غير حقك أن تخيط رأيك داخل قانون الإيمان، ثم تعتبر مَن يخالفه خارج الكنيسة. العقيدة تطلب إيمان الكنيسة، أما الرأي اللاهوتي فيطلب حجةً وحوارًا. العقيدة ترسم حدود البيت، واللاهوت يفتح نوافذه؛ والأصولي يغلق النوافذ خوفًا على البيت، ثم يختنق داخله ويعلن أن الاختناق هو "رائحة الآباء".
فالكنيسة لا تحتاج إلى لاهوت أقل كي تحمي إيمانها، بل إلى لاهوت أعمق يمنع كل رأي شخصي من التنكر في ثياب العقيدة. وليس كل مَن خالفك مهرطقًا، ربما اكتشف فقط أن قانون الإيمان لا ينتهي بعبارة: "وأومن أيضًا بكل ما قاله أبونا".
للإبرة وخزاتٌ أخرى:
#الإبرةالمصدّيّة
بعض المراجع:
١. International Theological Commission, “The Ecclesiastical Magisterium and Theology” (1975), Theses 1–12.
٢. Otto Semmelroth, S.J., and Karl Lehmann, “A Commentary on the Theses of the International Theological Commission on the Relationship between the Ecclesiastical Magisterium and Theology.”
٣. المجمع الفاتيكاني الثاني، كلمة الله، الفقرتان ١٠ و٢٤.
٤. المجمع الفاتيكاني الثاني، نور الأمم، الفقرات ١٢، ٢١، ٢٣، ٢٥.
٥. Congregation for the Doctrine of the Faith, Donum Veritatis: Instruction on the Ecclesial Vocation of the Theologian (24 May 1990).





