الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
خطأٌ تفسيريّ أخفى "رسول الرسل" قرونًا طويلة
ترسّختْ في المخيّلة المسيحية، وخاصّةً الغربية، صورة مريم المجدليّة بوصفها امرأةً زانية تابت عند قدمي يسوع. لكن المفاجأة أنّ الأناجيل لم تصفها قطّ بأنها زانية أو بغيّ.
يروي إنجيل لوقا قصّة امرأة مجهولة الاسم، وصفها بأنها «خاطئة»، دهنت قدمي يسوع بطيبها ودموعها، من دون أن يحدد طبيعة خطيئتها (لو ٧: ٣٦–٥٠). وبعد انتهاء القصة، يذكر مريم المجدليّة في بداية الفصل التالي بوصفها تلميذة أخرج منها يسوع سبعة شياطين، وكانت من النساء اللواتي رافقنه وخدمنه (لو ٨: ١–٣). لا يقول النص إنهما امرأة واحدة لوقا ٧: ٣٦–٥٠؛ ٨: ١–٣؛ يوحنا ١١: ١–٢؛ ١٢: ١–٨.
جاء الخلط المؤثر عام ٥٩١، حين جمع البابا القدّيس غريغوريوس الكبير في إحدى عظاته بين ثلاث شخصيّات هنّ المرأة الخاطئة في لوقا، ومريم المجدليّة، ومريم أخت مرتا ولعازر. لم يكن كلام البابا هذا إعلان عقيدة، وإنّما تفسيرًا شاع في الكنيسة الغربية، وانتقل إلى الوعظ والفن والروحانيّة، حتى طغت صورة "الزانية التائبة" على شخصية مريم المجدليّة الحقيقية. لكن مريم التي تقدمها الأناجيل هي تلميذة وشاهدة ومبشّرة، فهي تبعت يسوع، ووقفت قريبة من الصليب، وجاءت إلى القبر في ظلمة الفجر، وكانت أول مَن التقت المسيح القائم وسمعته يدعوها باسمها. ثم أرسلها إلى التلاميذ، فانطلقت قائلة: «رأيتُ الرب» (يو ٢٠: ١٨).
لهذا دعاها التقليد المسيحي "رسولَ الرسل". وقد وصفها القدّيس توما الأكويني بأنها صاحبة "مهمّة رسولية"، لأنها أعلنت القيامة للرسل أنفسهم. وهي أيضًا الشفيعة الثانية لرهبنة الدومنيكان؛ فالكرازة الحقيقية تبدأ، مثلما بدأت عند مريم، بالبحث والإصغاء واللقاء، ثم تتحول إلى رسالة. وبعد المجمع الفاتيكاني الثاني، استعادت الليتورجيا الرومانية التمييز بين مريم المجدليّة والشخصيات الأخرى. وعام ٢٠١٦ رفع البابا فرنسيس احتفالها في ٢٢ يوليو إلى رتبة "عيد"، مثل أعياد الرسل، وأُضيف إلى قدّاسها تقديم بعنوان «رسول الرسل».
قصة مريم المجدليّة تكشف أيضًا سهولة اختزال المرأة في ماضٍ جنسي لم ينسبه إليها النص، بدل تذكّر سلطتها بوصفها شاهدًا ورسولًا. لقد ظل الناس قرونًا يسألون عن خطيئتها التي لا يذكرها الإنجيل، بينما يكادون ينسون الرسالة التي ائتمنها عليها المسيح: «اذهبي إلى إخوتي…» فمريم المجدليّة ليست "الزانية التي صارت قديسة". إنها التلميذ التي جعلها المسيح أول واعظة بالقيامة.
(اللوحة للفنّانة Elizabeth Zelasko)
المراجع
Gregory the Great, Homiliae in Evangelia, II, Homily 33, 1, in Patrologia Latina, vol. 76, cols. 1239–1240.
Thomas Aquinas, Super Evangelium S. Ioannis Lectura, cap. 20, lect. 3, no. 2519.
Congregation for Divine Worship and the Discipline of the Sacraments, Decree Apostolorum Apostola, 3 June 2016.





