ماجد سوس
هناك جيلان لا يفصل بينهما الزمن فقط، بل يفصل بينهما عالم كامل. جيل عاش قبل السوشيال ميديا، وجيل يعيش بعدها. الأول كان يرى من الصورة ما اختار له الآخرون أن يراه، أما الثاني فيرى كل شيء، أو يظن أنه يرى كل شيء. وبين العالمين تغيرت قواعد اللعبة، ليس في السياسة وحدها، بل في الدين والفن والرياضة، وفي حياة كل شخصية عامة.
 
‎في الماضي، كانت الحكومات هي التي تحدد ما يصل إلى الناس. كان الرئيس يظهر في المناسبات الرسمية، وتُنقل كلماته كما أرادها الإعلام، وتبقى الكواليس بعيدة عن أعين الجماهير. أما اليوم، فقد أصبح كل مسؤول يعيش تحت عدسة لا تنام. كل كلمة تُقتطع، وكل حركة تُفسَّر، وكل ابتسامة تصبح مادة للنقاش، وكل صمت يُعدُّ موقفًا. لم يعد أحد يملك رفاهية أن يُخطئ بعيدًا عن ملايين المحللين والقضاة الذين يجلسون خلف شاشات هواتفهم.
 
وهذا لم يقتصر على السياسة، بل امتد إلى الكنيسة أيضًا.
 
‎البطاركة الذين خدموا قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي كانوا – من هذه الزاوية – أكثر حظًا. فما كان يصدر عنهم لم يكن يصل إلا من خلال المنابر الرسمية أو الصحف أو الإذاعة والتلفزيون، وكانت مساحة التعليق محدودة للغاية. كانت الرسائل البابوية تُقرأ، ثم تنتهي المناسبة، دون أن تتحول كل جملة فيها إلى ساحة جدل لا تنتهي.
 
لقد احتوت الرسائل البابوية لقداسة البابا كيرلس السادس في بعض المناسبات القومية على عبارات تؤيد التوجهات الاشتراكية السائدة آنذاك وتشيد بقيادة الدولة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وهو أمر كان منسجمًا مع طبيعة الخطاب العام في ذلك العصر، ولم يكن يثير موجات من الهجوم أو التخوين، لأن أدوات النقد الجماهيري بالشكل الذي نعرفه اليوم لم تكن موجودة.
 
‎وكذلك البابا شنودة الثالث، الذي لا يختلف اثنان على مكانته الروحية والوطنية، كان يبعث ببرقيات التهنئة في الأعياد والمناسبات الوطنية، وأدلى عبر سنوات طويلة بعشرات الحوارات الصحفية والإذاعية والتليفزيونية التي أكد فيها أكثر من مرة أن ما يتعرض له الأقباط لا ينبغي وصفه بالاضطهاد
 
المنظم، بل كان يستخدم أحيانًا تعبيرات مثل وجود انتقاص في بعض الحقوق أو وقوع حوادث تحتاج إلى علاج. كما صدرت عنه كلمات إيجابية في حق الرئيس الأسبق حسني مبارك، وتحدث في بعض الفترات بإيجابية عن جمال مبارك في إطار ما كان مطروحًا آنذاك. وفي الوقت نفسه، شهدت تلك
 
السنوات أحداثًا طائفية مؤلمة في قرى ومدن عديدة، كما تعرض عدد من الأقباط للقبض أو للمحاكمات التي رأى كثيرون أنها كانت ظالمة. ومع ذلك، لم تكن كل هذه القضايا تتحول إلى نقاش يومي بين ملايين الأشخاص، لأن وسائل التواصل 
الاجتماعي لم تكن قد غزت حياة الناس بعد.
 
أما اليوم، فقد تغير المشهد بالكامل.
يكفي أن ينطق البابا تواضروس الثاني بجملة حتى تُقتطع من سياقها، وتُنشر في عشرات الصفحات، ويبدأ سيل من الاتهامات والتفسيرات والتخوين، وكأن الجميع أصبح يملك الحقيقة المطلقة. وقد يزور مكانًا، أو يصافح شخصًا، أو يلتقط صورة، فتتحول الواقعة إلى معركة إلكترونية لا تنتهي. لم يعد الناس ينتظرون الفهم، بل يسارع كثيرون إلى إصدار الأحكام.
 
والحقيقة التي ينبغي ألا تغيب هي أن البابا تواضروس الثاني قاد خلال سنوات خدمته عملية تطوير واسعة في مجالات عديدة داخل الكنيسة؛ في التعليم الكنسي، وتنظيم الخدمة، والإدارة، والتواصل مع الشباب، والاهتمام بالإيبارشيات، والتوسع في استخدام التكنولوجيا، وتحديث كثير من اللوائح والهياكل الإدارية. قد يختلف البعض مع بعض قراراته أو اجتهاداته، فهذا حق مشروع، لكن من الظلم أن تُختزل سنوات طويلة من العمل في مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية أو عبارة مبتورة تُتداول خارج سياقها.
 
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة خطيرة؛ فلم يعد الناس يكتفون بإبداء الرأي، بل أصبح كثيرون يتقمصون دور القاضي، بل ودور المدعي والمنفذ للحكم في الوقت نفسه. والأخطر من ذلك أن ثقافة الإدانة تسللت إلى النفوس حتى صارت ممارسة يومية، بينما يوصينا الإنجيل بوضوح: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا." لقد أصبح البعض يتحدث عن الآباء والأساقفة والبابا بلغة لم يكن يتصور أحد قبل سنوات قليلة أن تُقال في حق آباء الكنيسة، لا لأن الآباء كانوا بلا أخطاء، بل لأن الناس كانت تدرك الفرق بين النقد والإساءة، وبين الاختلاف وهدم الهيبة.
 
إن الدفاع عن البابا تواضروس لا يعني 
الاعتقاد بأنه معصوم من الخطأ، فالكنيسة لم تعرف يومًا عصمة الأشخاص. لكنه يعني الدفاع عن الحق، وعن الإنصاف، وعن رفض تحويل كل اجتهاد إلى جريمة، وكل كلمة إلى معركة، وكل موقف إلى فرصة للشماتة أو التشهير.
 
ربما كان السابقون محظوظين لأنهم خدموا في زمن كانت فيه الكلمة تُسمع كاملة، أما اليوم فإن كثيرًا من الشخصيات العامة أصبحت تعيش في زمن تُقتطع فيه الكلمات، وتُشوَّه فيه المقاصد، ويُكافأ فيه من يصرخ أكثر، لا من يفهم أكثر.
 
ليتنا نتذكر دائمًا أن الإنسان الذي يجلس خلف شاشة هاتفه سيقف يومًا أمام الله، ليس ليسأله عن عدد المنشورات التي كتبها، ولا عن عدد الأشخاص الذين انتقدهم، بل عن كل كلمة خرجت من فمه أو من أصابعه. فالوصية لم تتغير، مهما تغيرت التكنولوجيا، والإنجيل لم يتبدل، مهما تبدلت وسائل التواصل. وسيبقى الحب، والاحترام، وحسن الظن، والصلاة من أجل الرعاة، علامات الكنيسة الحقيقية، أما الإدانة والتشهير والقسوة، فلن تبني كنيسة، ولن تربح نفسًا، ولن تمجد الله.