بقلم الأب يسطس الأورشليمى
قاوموا إبليس فيهرب منكم" . كيف نخضع لله ونقاوم إبليس؟
 
إن كنا نرفض ملكوت إبليس يَلْزَمنا أولاً أن نقبل ملكوت الله بالخضوع له، بعد هذا نقاوم، وعندئذ لا يكون لإبليس سلطان علينا بل يهرب منا.
 
ويُشَبِّه القديس ذهبي الفم الشيطان بكلبٍ لا يبرح ملتصقًا بمائدة صاحبه مادام يُلْقَى إليه بين حين وآخر شيئًا منها. لكن إن كفَّ عن ذلك، فسيبقى إلى حين ثم ينقطع رجاؤه ويهرب من المائدة ليبحث عن مائدة أخرى. هكذا يَلْزَمنا أن نقاوم إبليس على الدوام ولا نعطيه مكانًا فينا (أف ٦: ١١، ١٣؛ ٤: ٢٧).
 
1.  "اقتربوا إلى الله فيقترب إليكم"
رأى الأب المحب ابنه الضال راجعًا "فتحنن وركض ووقع على عنقه وقَبَّله" (لو ١٥: 20). فما أن نرجع إلى الله حتى يرجع هو إلينا (زك ١: ٣)، لأنه ليس ببعيدٍ عنا، بل كما يقول "هأنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي" (رؤ ٣: ٢٠).
 
بالتوبة ندخل إلى الله، وبدونها لا ننتفع بالبركات الإلهيّة التي نلناها في العماد، ولا نستحق التناول من الأسرار المقدسة للاتحاد بالرب، ولا نعرف كيف نصلي أو كيف نستمع إلى صوت الله في كتابه، أو كيف ندخل بيته، أو نُرَنِّم له ونسبحه ونشكره، أو نخدمه ونخدم أولاده الخ.
 
٢. "نقوا أيديكم أيها الخطاة"
يقول القديس إكليمنضس الروماني: [ليتنا نقترب إليه في قداسة النفس، رافعين أيادي نقيّة غير دنسة.]
 
يَلْزم ألاَّ تكون التوبة كلامًا أو مجرد مشاعر وعواطف بل سلوكًا أيضًا وحياة. لذلك طالب الرسول بنقاوة اليدين، أو نقاوة الأعمال. ويريدنا الرسول بولس أن نصلي رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال (١ تي ٢: ٨)، لأنه "من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين والنقي القلب" (مز ٢٤: ٤). ويؤكد الله "إن كَثَّرتم الصلاة لا أسمع". وما السبب؟ "أيديكم ملآنة دمًا" (إش ١: ١٥).

٣. "وطهروا قلوبكم يا ذوي الرأيين".
وهنا لم يقل "أيها الخطاة" بل "يا ذوي الرأيين" موضحًا أن طهارة القلب تعني وحدة الهدف، فلا يكون منقسمًا بين محبة الله ومحبة شيء آخر. هكذا عرَّف الأب موسى نقاوة القلب الذي هو ترمومتر العبادة.
 
"اكتئبوا ونوحوا وابكوا ليتحول ضحككم إلى نوح وفرحكم إلى غم" .
 
يقول الأب نيلس السينائى: [قبل كل شيء اطلب من الله أن يَهبَك دموعًا، فربما تُلَيِّن الدموع الصلابة الكامنة في نفسك، وتكشف لك خطاياك من نحو الله، وبهذا يَهَبك الله عنها غفرانًا. استخدم الدموع كسلاح للحصول على طلباتك من الله، لأن الله القدير يُسَرُّ عندما تصلي بدموع... احذر الوقوع في انفعال عاطفي... فكثير من الناس ينسون الغرض من الدموع[74].]
 
ليعطنا الرب أن نرفع أعيننا بالدموع نحوه كالطفل تجاه أمه، فيكون لنا هذا "الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنْشيء توبة لخلاص بلا ندامة" (٢ كو ٧: ١٠).
جاء في سيرة القديس باخوميوس [في أحد الليالي إذ عبر باخوميوس ومعه تادرس تلميذه على مقابر فوجدا نسوة يَنُحْنَ ويَبْكِين، فتأثر باخوميوس لهذا المنظر مشتاقًا لو بكى الكل على خطاياهم حتى يقومون... لذلك قال لتلميذه: أما ترى هؤلاء كيف يَسْكُبْنَ دموعهن على أموات ليس لهن قدرة على إقامتهم؟ فكم يَلزمنا نحن المدعوين رهبانًا أن نندب أنفسنا الميتة بزلاتها لكي يقيمها السيد المسيح ويحييها برحمته!
 
على كل حال البكاء ممدوح إن كان بقصد صالح، كما كان يفعل سائر الآباء القديسين. فداود النبي يقول: "أُعَوِّم كل ليلة سريري بدموعي أُذَوِّب فراشي" (مز ٦: ٥)، فعني بالمساء هذا العالم، والصباح العالم الآتي. ويوسف بكى على إخوته... وناح إرميا النبي نادبًا شعبه.]
4. "اتضعوا قدام الرب فيرفعكم".
 
خشي الرسول أنهم في بكائهم يحسبون أنفسهم أفضل من غيرهم فيفقدون كل جهادهم. لهذا يقول الأب نيلس السينائي [عندما تسكب فيضًا من الدموع أثناء الصلاة لا تفتخر بذلك، ظانًا في فكرك أنك أفضل من آخرين، بل إن اعترافك بخطاياك وهبك دموعًا استجلبت حنان الله.]