بقلم الأب يسطسّ الأورشليمى
 
الله في حُبه للبشرّية ينشغل ويهتم بكُل إنسان، يود أن يُقيم منه أيقُونة حّية للقدُوس، تتأهل للتمتع بالشركة في الأمجاد الأبدية، وتنعم بالفرح والتهليل السماوي الذي لا ينقطع، هذه الأيقونة لن تتحقق فينا ما لم نتمتع بالحياة المُقدسة بالتوبة والرجُوع إليه..
 
هذا هُو غاية الكتاب المُقدس كُله، وغاية الخلاص الإلهي، حيثُ يتجلى الله بكُونه الإله القدُوس الغيُور، فهُو يُؤدب ليس إلا لكي يُقدس ويُطهر، حتى لا يخلط الإنسان بين شركته مع الله وشركته مع الشرّ، الأمر الذي يستحيل تحقيقه وقبُوله من الله القدُوس..
 
يفرح الله بالتوبة الجماعية، فكما يبسط يديه ليضُم العالم كُله كعرُوسٍ واحدةٍ مُقدسة، يود أن يفتح المُؤمن قلبه ليتسع لكُل إخوته، وتنعم البشرّية كُلها بالحياة الجديدة في الرّب، مسرته أن تبتهج الشعُوب بالله مُخلّصها بفرح دائم في حرية، ووحدة صادقة..
 
كان قيام هيكل الرّب في أورشليم يعني حلُول الله وسط شعبه، يملك عليهُم ويُقدسهُم، ويملأ حياتهُم فرحاً وبهجةً، الأمُور التي حُرمُوا منها عشرات السنين في أرض السبي، فبعد أن عاد زربابل ومعه خمسُون ألفاً من اليهُود ليُعيدُوا بناء الهيكل، لكنهُم إذ وجدُوا مقاومة استكانُوا، وانشغل كُل واحد ببناء بيته الخاص تاركين بيت الرّب خراباً..
 
جاء هذا السفر يحث الكُل على العُودة للعمل، وكأنه دعُوة إلهية موجهة إلى كُل نفس، لتستعيد في الرّب بهجة خلاصها، بالتمتع بسكُنى الله فيها، وإعلان قلبها وأعماقها هيكلاً للرّب..
 
حجيّ اسم عبري بمعنى مُفرح، سمى هكذا ربما لأجل توقع العُودة من السبيّ بفرح، أو لأنه ولد في يوم عيد، وقد جاء اسمه متناسباً مع مضمُون السفر الذي في أعماقه هُو دعوة للحياة المُفرحة، والدخُول في عيد خلال إعادة بناء هيكل الرّب فينا..
 
ولد حجيّ النبيّ في أرض السبيّ، وصعد إلى يهُوذا مع زربابل، ويعتبر هُو وزكريا وملاخي أنبياء ما بعد السبيّ، وإذ ركز اهتمامه العظيم على الهيكل مُقدماً لنا مفهُوماً عميقاً..
 
مارس حجيّ عمله النبُوي عام 520 ق.م في السنة الثانية لداريُوس ثالث ملُوك الفرس، وهي السنة التي فيها اشتهر الفليسُوف الصيني كُونفشيُوس، وقد بدأ عمله قبل زكريا بشهرين، ارتبط معه بصداقة قُوية ووحدة في الهدف، تنبأ زكريا لمدة 3 سنوات، أما حجيّ فلمدة 3 شهُور، وجاء في التقليد اليهُودي إنهما دفنا في قبر واحد..
 
عاش حجيّ في ذات الظرُوف التي عاشها زكريا، يحمل ذات مشاعره، ونحنُ نعلم أن أنبياء ما قبل السبيّ كثيراً ما هددُوا بالسبيّ قبل حدُوثه، وقد تحققت هذه النبُوات، لكن الله لم يترك الأمر هكذا وإنما سبق فأعلن بالأنبياء عن العُودة من السبيّ البابلي بعد 70 عاماً..
 
تحقق ذلك عندما انهارت المملكة البابلية أمام الفرس، فسمح كُورش ملك الفرس لزربابل الذي من نسل داود أن يرجع إلى أورشليم ليعيد بناء الهيكل، وإذ وضع الأساسات قام السامريُون بمقاومته، فتوقف العمل لمدة 15 عاماً، وإذ ملك داريُوس حان الوقت للعمل..
 
هُنا جاءت المقاومة لا من الخارج بل من الداخل، إذ انشغل كُل واحد ببناء بيته الخاص، فقام حجيّ ومن بعده زكريا يحثان الشعب على العمل في بيت الرّب بقُوة وغيرة قلبية، وعندما بدأ العمل بالفعل قام بين الشُيُوخ الذين شاهدُوا الهيكل الأول يثبطُون الهمم، إذ حسبُوا الهيكل الجديد كلا شيء بمقارنته بالهيكل القديم، ولولا حكمة النبيان لتوقف العمل تماماً وتحول الفرح إلى حزن خلال رُوح اليأس..
 
لم يكن دور حجيّ النبيّ مُجرد الحث على إعادة بناء الهيكل، لكنه دخل بهُم إلى مفاهيم عميقة تمس علاقتهم بالله على مستوى القلب الداخلي، فقد أبرز النبيّ المفاهيم الآتية:-
 
(1) تأكيد أن الله أولاً، إن كان الشعب قد انهمك في بناء بيُوت خاصة متجاهلين العمل في بيت الرّب، فإن هذا التصرف يكشف عن حالهُم الخطير إذ حسبُوا الله ثانوياً في حياتهُم، الله لا يسكن في بيُوت ولا يطلب أمجاداً زمنية لكنه يطلب أن يكُون الأول في حياة أولاده الذين أعطاهُم الأولية بين خليقته، فيردُون مبادرته لهُم بالحُب له..
 
إن كان من أجل تنازله قبل أن يكُون له هيكل وسط شعبه إنما ليُؤكد حلُوله في وسطهُم، لهذا يليق بهُم الاهتمام بالهيكل لا من أجل فخامته، وإنما كعلامة حُب داخلي، وشُوق وفرح بالله الذي لا يطلب الذهب ولا الفضة، لكنه يود قلُوبهُم مسكنا مُقدساً له..
 
(2) نجح حجي النبيّ، لا في نقل أفكارهُم من البناء الحجري إلى القلب كبيت داخلي للرّب، وإنما أيضاً في الكشف عن مجد البيت الجديد الذي يقُوم خلال تجسد الكلمة، بظهُور مشتهى كُل الأمم، بقيامته وصعُوده أعطانا المجد الأبدي في هيكله الذي هُو جسده..
 
لقد تحدث عن هذا الهيكل مع اليهُود قائلاً:
انقُضُوا هذا الهيكل، وفي ثلاثة أيام أقيمه، فقال اليهُود: في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، أفأنت في ثلاثة أيام تُقيمه؟! وأما هُو فكان يقُول عن هيكل جسده، فلما قام من الأموات، تذكر تلاميذه أنه قال هذا، فآمنُوا بالكتاب والكلام الذي قاله يسُوع (يو19:2-22)..
 
يضم هذا السفر أربع نبُوات نطق بها:
النبوة الأولى: أعلنها في اليوم الأول من الشهر السادس في السنة الثانية من ملك داريُوس، فيها يُوبخهُم على تركهُم الهيكل خراباً، وقد جاءت النبُوة بالثمر إذ تحمس الكُل للعمل الجاد..
 
النبوة الثانية: أعُلنت في اليوم 21 من الشهر السابع، فيها يشجع العاملين على الاستمرار في العمل دُون الحزن على مجد الهيكل القديم، مُعلناً ظهُور هيكل جديد فائق في مجده..
 
النبوة الثالثة: أعُلنت في اليوم 24 من الشهر التاسع، وفي هذه النبُوة يُؤكد أن تجاهلهُم لأولوية الله في حياتهُم يُفقدهُم الركة، مشجعاً إياهُم على المثابرة في الحياة الرُوحية بغيرة متقدة..
 
النبوة الرابعة: أعُلنت في نفس اليوم الذي أعلنت فيه النبُوة السابقة، وفيها يُؤكد الرّب أنه يهزم الأمم ويثبت زربابل..