محرر الأقباط متحدون
يؤكد البابا لاون الرابع عشر، في مقدمة كتاب "مجرَّد ومُجرِّد من السلاح... السلام عطية'> السلام عطية"، أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالقوة ولا بالشعارات، بل يبدأ من الإنسان نفسه، ومن شجاعة اختيار الحقيقة ونبذ منطق العداء. هذه الرسالة تتصدر كتابًا أشرف على إعداده الصحفي والكاتب الإيطالي أليساندرو بانفي، الذي وصف العمل بأنه محاولة لجمع أبرز أفكار الحبر الأعظم حول السلام في إصدار واحد يسهل الوصول إليه.

في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، أوضح بانفي أن البابا ينطلق من رؤية مسيحية بعيدة عن المثالية أو التصورات الطوباوية، إذ إن السلام، بحسب تعاليم المسيح، ليس ثمرة تجاهل الشر أو إنكار وجوده، بل يمر عبر التضحية وتحمل المسؤولية. وقال إن الفرق كبير بين السلام الذي تدعو إليه الكنيسة وبين الدعوات العامة التي تكتفي بالشعارات، لأن سلام المسيح يتطلب استعدادًا لبذل الذات، تمامًا كما فعل المسيح على الصليب.

ورأى الكاتب الإيطالي أن الرسالة الأساسية التي يحملها الكتاب تتمثل في أن السلام هو عطية يمنحها الله، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية تقع على عاتق كل إنسان. فقبول هذه العطية يستوجب ترجمتها إلى مواقف عملية وسلوك يومي، لا إلى مجرد أمنيات أو خطابات.

وأشار بانفي إلى أن البابا شدد، خلال زياراته إلى لبنان وتركيا والجزائر، على أهمية شهادة الشهداء، وربطها برسالة القديس أغسطينس الداعية إلى المصالحة وبناء السلام، مؤكدًا أن الإيمان لا ينفصل عن العمل من أجل العدالة والعيش المشترك. ومن الأفكار التي يبرزها الكتاب، تابع يقول، دعوة الحبر الأعظم إلى محاسبة الذات قبل اتهام الآخرين. فهو يحذر من أن أول رد فعل تجاه الخلافات أو الإساءات، إذا كان قائمًا على الإدانة وإلقاء اللوم، فإنه يفتح الباب تدريجيًا أمام اللامبالاة، ثم الكراهية. ولذلك يستعيد كلمات القديس أغسطينس الذي دعا إلى تغيير الإنسان لنفسه بدل الاكتفاء بالتذمر من الزمن الذي يعيش فيه.

وأكد بانفي أن البابا لا يكتفي بالمبادئ العامة، بل يقدم أمثلة واقعية تبعث على الأمل. ففي مقدمة الكتاب يروي حادثة تاريخية وقعت في العام ١٩٨٣، عندما رفض مسؤول سوفيتي تنفيذ أوامر كان من شأنها أن تؤدي إلى اندلاع حرب نووية مع الولايات المتحدة. ويعلق البابا على هذه الواقعة بالقول إن ضمير إنسان واحد قد يكون كافيًا لإنقاذ العالم بأسره، في رسالة تؤكد أن القرارات الفردية الشجاعة يمكن أن تغير مجرى التاريخ. ومن هنا، يشدد البابا على أن السلام يبدأ من الحياة اليومية، من داخل الأسرة، ومكان العمل، والحي الذي يعيش فيه الإنسان، قبل أن يصبح قضية دولية. فلا يمكن تحقيق سلام دائم من دون عدالة، ولا يمكن القضاء على العنف إذا لم يبدأ كل شخص بمراجعة نفسه وتصحيح علاقته بالآخرين.

وتوقف الكاتب الإيطالي عند العلاقة بين الحقيقة والسلام، وهي من أبرز القضايا التي يطرحها البابا. فالحروب غالبًا ما تُبرَّر باسم السلام، إذ يدّعي كل طرف أنه يقاتل لتحقيقه، بينما لا يجرؤ أحد على الاعتراف بأنه يريد الحرب لذاتها. ولهذا تصبح الحقيقة عنصرًا أساسيًا في كشف زيف هذه الادعاءات. هذا ثم اعتبر بانفي أن الحديث عن الحقيقة أصبح اليوم أكثر صعوبة من أي وقت مضى، خصوصًا في زمن الحروب والدعاية الإعلامية. ولذلك خصص الكتاب فصلًا كاملًا للإعلام في أوقات النزاعات، يوضح فيه البابا أن نقل الأخبار يجب ألا يتحول إلى مجرد متابعة عسكرية أو استعراض للقوة، بل ينبغي أن ينطلق من معاناة الضحايا.

وختم الكاتب الإيطالي حديثه لوسائل الإعلام الفاتيكانية بالتأكيد على أن البابا لاون الرابع عشر، وبصفته ابنًا للتراث الأغسطيني، يولي الشِّعر والأدب مكانة خاصة، لأنه يرى فيهما لغة قادرة على ملامسة القلب، تمامًا كما يفعل السلام عندما يتحول من فكرة إلى أسلوب حياة.