الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
الأصولي يحبّ إيليا النبي جدًا: الغربان توصّل له الأكل "دليفري"، والدقيق والزيت لا ينفدان، والنار تنزل من السماء، والعربة النارية تطير به إلى فوق. نصّ ممتاز لوعظة حماسية عن "قوة الإيمان" و"إله المعجزات"… وبعدها يُغلق الكتاب سريعًا قبل أن يصل إلى المواضع التي قد تزعج أو تكشف وظيفة الدين الحقيقي في أرض الواقع.
اسم إيليا يعني «الربّ هو الله»، لكن هذا الاسمليس عقيدة آمنة هو إعلان في مواجهة ملك اسمه أخاب، وملكة اسمها إيزابل، ونظام ربطَ الدين بالسلطة، وبنى للبعل هيكلًا، واستقدم له الكهنة، واضطهد أنبياء الله. لهذا لم يظهر إيليا موظفًا دينيًا في البلاط ولكم ابنًا للصحراء يقف أمام الملك ويقول له ما لا يريد أحد سماعه.
وعندما اتهم أخاب إيليا بأنه «مكدّر إسرائيل»، لم يدخل النبي في حملة علاقات عامة لإثبات وطنيته، بل ردّ عليه: «لم أُكدّر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك» (1 مل 18: 18). فالسلطة تصنع الكارثة، ثم تتهم مَن يكشفها بأنه يثير الفتنة ويشوّه صورة البلد. ويبدو أن هذا التقليد الملكي أقدم كثيرًا مما كنا نظن!
أما جبل الكرمل، فليس عرضًا للمصارعة بين إلهين، كما تظهر القراءة السطحية. فالبعل لم يكن تمثالًا بريئًا موضوعًا في زاوية، لقد كان إله نظام سياسي واقتصادي يَعِد الناس بالخصب والمطر، ويحميه القصر وكهنته. لذلك كان سؤال إيليا: «حتى متى تعرجون بين الجانبين؟» سؤالًا عن الإله الذي نعبده بالفعل، لا الإله الذي نكتب اسمه في خانة الديانة. ومن الضروري هنا أن ننتبه للفة النص وعقليّته القديمة في موضوع قتل أنبياء البعل، فالنص يستخدم أسلوبه ليظهر قوّة إيليّا أمام المخالفين. فهذا العنف ينتمي إلى عالم النص القديم، ولا يُقرأ مسيحيًا خارج نور المسيح الذي منع تلاميذه من استخدام السيف. وإلا صار الكتاب المقدس مخزن سلاح ننتقي منه ما يبرر عنفنا، ثم نسمي ذلك "تمسكًا بحرفية النص".
وعلى جبل حوريب مرّت الريح والزلزال والنار، ولم يكن الرب فيها، ثم جاء «صوت صمت رقيق» (1 مل 19: 12). إيليا الذي عرف الله في نار الكرمل تعلّم أن الله لا يسكن دائمًا في الصخب والاستعراض. وهذه مشكلة أخرى للأصولي الذي يتصور أن ارتفاع الصوت دليل على قوة العقيدة، وأن كثرة الصراخ تعني حضور الروح القدس.
ثم تأتي الأرملة، الفقيرة والأجنبية، التي لم تكن تنتظر من النبي معونة، فالنبي نفسه كان محتاجًا إلى خبزها. هي التي فتحت بيتها وتقاسمت آخر ما لديها، فتحوّل القليل إلى حياة. الفقير هنا ليس كومبارسًا في معجزة يصنعها رجل الله؛ إنه شريك في الخلاص، وصاحب خبز وضيافة، والنبي نفسه يتعلّم أن حياته قد تأتيه من امرأة فقيرة خارج حدود شعبه.
لكن ذروة قصة إيليا ليست النار، ولا الغربان، ولا العربة النارية. ذروتها في جملة واحدة قالها للملك داخل كرم رجل فقير: «أقتلتَ وورثتَ أيضًا؟» (1 مل 21: 19). لقد رفض نابوت بيع كرم آبائه للملك، فاستخدمت إيزابل ختم الدولة، واستدعت وجهاء المدينة، وأعلنت صومًا دينيًا، وأحضرت شهود زور، وصنعت محاكمة انتهت بقتل نابوت والاستيلاء على أرضه. كل شيء كان «قانونيًا»: الصوم قائم، والمحكمة منعقدة، والشهود موجودون، والختم ملكي… والضحية وحدها تحت التراب. الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا!
هنا يظهر إيليا الحقيقي، بالمعني الحقيقي لكلمة "نبي"، فهو لم يذهب إلى القصر ليهنئ أخاب على توسيع أملاك الدولة، ولم يطالبه بالتبرع بجزء من الكرم للفقراء، ولم يقل إن رجل الله لا بتدخل في السياسة. وقف في الأرض المسروقة، وحفظ اسم الضحية من المحو، وأعاد تسمية الحدث باسمه: "قتلٌ وسرقة".
وهذا تحديدًا هو الجزء الذي لا يتحمس له الأصولي كثيرًا؛ لأن معجزة النار لا تهدد امتيازاته، أما سؤال «أقتلت وورثت؟» فقد يصل إلى القصر، والشركة، والمؤسسة الدينية، والأرض المنهوبة، وحتى إلى رجل الدين نفسه. لذلك يأخذ من إيليا المعجزات، ويترك مواجهته للسلطة، ثم يتحدث طويلًا عن «غيرة النبي على الإيمان». لكن الغيرة على الله، عند إيليا، لم تكن سبابًا عقبديًّا فقط. غيرته ظهرت في مقاومة البعل، وفي خبز الأرملة، وفي حماية حق نابوت، وفي رفض تحالف الدين مع القصر. وكل تدين يدافع عن المذبح ويصمت أمام الأرض المسروقة لا يعبد إله إيليا، حتى لو أنشد طوال اليوم: «الرب هو الله». فالوثن ليس دائمًا تمثالًا، قد يكون سلطةً نضحي بالناس لحمايتها، أو مالًا نقيس به قيمة الإنسان، أو مؤسسةً نقدّس صورتها أكثر من الحقيقة. والبعل الأخطر هو الذي يتعلم استخدام لغة الله، ويرتدي ثياب الدين، ويعلن صومًا قبل قتل نابوت.
لهذا يبقى سؤال إيليا إبرةً مصدّيّة في بالون التدين الأصوليّ: حتى متى نعرج بين الجانبين؟ حتّى متى نهتف للرب في الكنيسة، ثم نخدم البعل في القصر والسوق والمحكمة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى





