بقلم: ... نادر شكري
تُعد الرياضة أحد أهم المجالات التي يفترض أن تقوم على مبدأ بسيط وواضح: الكفاءة أولًا. فالملعب لا يعترف بدين اللاعب أو خلفيته الاجتماعية، وإنما بموهبته وانضباطه وقدرته على المنافسة. لكن الواقع المصري أثار على مدار سنوات طويلة تساؤلات متكررة حول ضعف تمثيل الأقباط، خاصة في كرة القدم، وهو ما دفع شخصيات رياضية وحقوقية ودينية إلى الحديث عن وجود ممارسات تمييزية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، تحول دون وصول بعض المواهب إلى المستويات العليا.

ولعل واقعة الطفل "مكاري يونان "، في اختبارات نادي الاتحاد السكندري وما سبقها من تصريحات لنجوم كبار مثل أحمد حسام ميدو وهاني رمزي، أعادت فتح هذا الملف من جديد، ليس باعتباره قضية تخص الأقباط وحدهم، وإنما باعتباره قضية تتعلق بمستقبل الرياضة المصرية وعدالة المنافسة فيها.
واذا كان تم حل أزمة الطفل مكاري يونان، بطلب وزير الشباب جوهر نبيل التحقيق في الواقعة ولأول مرة يصدر بيان رسمي في هذا الشأن، وما تبعه خروج النادي بالتأكيد على عدم التمييز وان الامر كان مجرد داعبة وقبول اللاعب بالنادي وقيده وانتهى الأزمة، ولكن تبقى القضية قائمة حول معايير الاختيارات بالأندية، وهل تم تغيير هذا الفكر أم ستظل حالة مكاري فردية في علاجها.

مؤشرات تستحق التوقف
لا يمكن تجاهل أن الوجود القبطي في كرة القدم المصرية على مستوى الدوري الممتاز والمنتخبات الوطنية ظل محدودًا للغاية خلال العقود الماضية. ويكفي أن آخر لاعب قبطي صنع مسيرة طويلة مع المنتخب الأول كان الكابتن هاني رمزي، أحد أنجح المحترفين المصريين في أوروبا، بينما لم تشهد السنوات التالية حضورًا منتظمًا للاعبين أقباط في المنتخب الأول.

هذا الواقع دفع أحمد حسام "ميدو" إلى التصريح بأن هناك عنصرية ضد المسيحيين في بعض قطاعات كرة القدم، مؤكدًا أن كثيرًا من اللاعبين الأقباط يتوقفون عن ممارسة اللعبة في سن مبكرة بسبب ما يواجهونه من تمييز. كما أشار هاني رمزي إلى أن المشكلة تظهر بصورة أكبر في قطاعات الناشئين، وأن كثيرًا من الأسر المسيحية فقدت الثقة في إمكانية وصول أبنائها إلى المستويات الاحترافية.

وبغض النظر عن اختلاف التقديرات حول حجم المشكلة، فإن مجرد تكرار هذه الشهادات من شخصيات تنتمي إلى قلب المنظومة الرياضية يستوجب التعامل معها بجدية، والبحث عن حلول مؤسسية بدلاً من الاكتفاء بنفي وجود المشكلة أو التعامل مع كل واقعة باعتبارها استثناءً.

الرياضة لا يجب أن تتحول إلى ساحة للهوية الدينية
من أخطر ما شهدته الرياضة المصرية خلال السنوات الماضية تصاعد الخطاب الذي يربط بين النجاح الرياضي والانتماء الديني أو المظاهر الدينية. فكثيرًا ما يتم تفسير الفوز باعتباره نتيجة للتدين، أو تقديم بعض الفرق باعتبارها "منتخب الساجدين"، بينما تُهمش حقيقة أن الانتصارات الرياضية تُبنى على التخطيط والإعداد والانضباط والموهبة والعمل الجماعي.

إن ربط النجاح الرياضي بالدين يخلق، ولو بصورة غير مقصودة، مناخًا يشعر فيه بعض اللاعبين بأن هويتهم الدينية أصبحت جزءًا من تقييمهم، وهو أمر يتعارض مع روح الرياضة والمواطنة.

تجربة "عيون مصر"... لماذا فشلت؟
في عام 2022 أعلنت أسقفية وسط القاهرة تأسيس نادي "عيون مصر" بهدف اكتشاف المواهب الرياضية وتقديم خدماته لجميع المواطنين دون تمييز، بعد حصول المشروع على موافقة وزارة الشباب والرياضة في البداية.

لكن المشروع تعرض لانتقادات واسعة باعتباره يرسخ الطائفية، قبل أن تتراجع الوزارة عن الموافقة استنادًا إلى اللوائح التي تحظر إنشاء هيئات رياضية على أساس ديني.

في ذلك الوقت كان المعيار الحقيقي للحكم على التجربة ينبغي أن يكون: هل يميز النادي بين المواطنين؟ وهل يعتمد الكفاءة معيارًا للاختيار؟ فإذا كان مفتوحًا لجميع المصريين دون تفرقة، فإن تقييمه يجب أن يستند إلى ممارساته لا إلى الجهة التي تبادر بتأسيسه.

وفي النهاية أُغلق الملف، بينما بقيت المشكلة الأساسية دون معالجة، وهي غياب آليات فعالة لاكتشاف المواهب من مختلف البيئات وضمان تكافؤ الفرص بينها.

المسؤولية لا تقع على الكنيسة
الأصل أن اكتشاف المواهب الرياضية مسؤولية الدولة والاتحادات والأندية، وليس المؤسسات الدينية.
وإذا لجأت الكنيسة إلى محاولة إنشاء مشروع لدعم المواهب، فإن ذلك يعكس شعورًا بوجود فجوة تحتاج إلى معالجة، وليس بالضرورة رغبة في إنشاء كيان مغلق أو بديل عن المؤسسات الرياضية.

ولهذا فإن الحل الحقيقي لا يكون بتحميل الكنيسة مسؤولية الملف أو انتقادها، وإنما بقيام المؤسسات الرياضية بدورها في الوصول إلى جميع الأطفال الموهوبين، بصرف النظر عن خلفياتهم الدينية أو الاجتماعية.

هل المشكلة في الأندية؟
حتى الأندية التي يملكها رجال أعمال أقباط، مثل الجونة ووادي دجلة وزد، لم تُحدث تغييرًا ملموسًا في تمثيل اللاعبين الأقباط.
 ويرجع ذلك إلى أن أغلب هذه الأندية تعمل وفق اعتبارات رياضية وتجارية، بينما تبقى قرارات اختيار اللاعبين في قطاعات الناشئين بيد أجهزة فنية وإدارية قد تختلف معاييرها من مكان إلى آخر، وهو ما يستدعي مزيدًا من الشفافية والرقابة لضمان أن تكون الكفاءة وحدها هي معيار الاختيار.

دانيال تامر... رسالة أمل
مثّل ظهور اللاعب دانيال تامر مع منتخب مصر تحت 17 عامًا  في أمم افريقيا تحت 19 سنة في مارس الماضي محطة مهمة، بعدما سجل هدف الفوز أمام تونس، وحصل على جائزة أفضل لاعب في المباراة.

تكمن أهمية هذه التجربة في أنها تؤكد أن فتح الباب أمام جميع المواهب ينعكس مباشرة على قوة المنتخب الوطني. فالمنتخب لا يحتاج إلى لاعب مسلم أو مسيحي، وإنما يحتاج إلى أفضل لاعب قادر على تمثيل مصر.كل موهبة تُكتشف وتُمنح الفرصة تضيف قيمة للرياضة المصرية، بينما كل موهبة تُهمل بسبب أي شكل من أشكال التحيز تمثل خسارة للوطن بأكمله.

كيف يمكن معالجة المشكلة؟
إن معالجة أي ممارسات تمييزية – إن وجدت – لا تكون بالشعارات، وإنما عبر إصلاحات مؤسسية، من بينها:

وضع معايير معلنة وموحدة لاختيار اللاعبين في اختبارات الأندية وقطاعات الناشئين.
تشكيل لجان مستقلة لمتابعة الاختبارات وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها.
تدريب المدربين والإداريين على مبادئ المساواة وعدم التمييز.
توسيع برامج اكتشاف المواهب في جميع المحافظات والمناطق، دون استبعاد أي فئة اجتماعية أو دينية.
نشر ثقافة أن الرياضة تقوم على الجدارة والكفاءة فقط، بعيدًا عن أي اعتبارات دينية أو اجتماعية.
مواجهة أي خطاب إعلامي أو رياضي يربط التفوق الرياضي بالهوية الدينية بدلاً من العمل والموهبة.
تشجيع الاتحادات الرياضية على إصدار مدونات سلوك واضحة تجرم أي شكل من أشكال التمييز داخل الملاعب أو قطاعات الناشئين.

في الختام
إن قضية تمثيل الأقباط في الرياضة المصرية ليست قضية تخص فئة بعينها، وإنما تمس مبدأ دستوري أصيل هو المساواة وتكافؤ الفرص. كما أنها قضية تتعلق بمصلحة الرياضة المصرية نفسها؛ لأن أي نظام لا يستفيد من جميع مواهبه يخسر جزءًا من قدرته على المنافسة.

ولذلك فإن الهدف ليس تخصيص مقاعد لفئة معينة، ولا إنشاء منظومة موازية على أساس ديني، وإنما بناء منظومة رياضية يكون معيارها الوحيد هو الكفاءة والموهبة والاستحقاق.

فعندما يدخل طفل إلى اختبار في أي نادٍ مصري، يجب ألا يكون السؤال: "ما دينه؟"، بل يجب أن يكون السؤال الوحيد: هل يمتلك الموهبة التي تؤهله لتمثيل مصر؟

هذا هو الطريق الذي يحقق العدالة، ويخدم الرياضة، ويعزز قيم المواطنة التي نص عليها الدستور، ويضمن أن تكون الملاعب المصرية ساحة للتنافس الشريف، لا مجالًا لأي شكل من أشكال التمييز.