هاني صبري- الخبير القانوني والمحامي بالنقض
جاء البيان الصادر عن وزارة الشباب والرياضة بشأن توجيه السيد الدكتور جوهر نبيل، وزير الشباب والرياضة، بفتح تحقيق عاجل وفوري في الشكوى المتداولة إعلاميًا بشأن استبعاد أحد اللاعبين من اختبارات كرة القدم بأحد الأندية بسبب اسمه، ليؤكد أن الدولة المصرية لا تتهاون مع أي شبهة تمييز قد تمس حقًا من الحقوق الدستورية للمواطنين.
فقد أعلن الوزير بوضوح أنه سيتم التحقق الفوري من صحة الواقعة، وأنه في حال ثبوتها فسيتم إيقاف المسؤول عنها وإحالته للتحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية والتأديبية اللازمة، مع حرمانه من ممارسة أي نشاط رياضي مستقبلًا. وهي رسالة مهمة تعكس أن أي ممارسة تنطوي على تمييز، إن ثبتت، لا تمثل سياسة الدولة ولا تتفق مع أحكام الدستور والقانون.
وتثير هذه الواقعة قضية بالغة الأهمية، وهي حق جميع المصريين، مسلمين ومسيحيين، في الالتحاق بالأندية الرياضية والمشاركة في الاختبارات الرياضية والانضمام إلى المنتخبات الوطنية على أساس الكفاءة والموهبة وحدهما، دون أي تمييز بسبب الدين أو الاسم أو العقيدة أو أي سبب آخر.
إن هذا الموضوع لا ينبغي أن يُناقش من منظور عاطفي أو طائفي، وإنما من منظور دستوري وقانوني خالص، لأن الرياضة ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل أصبحت حقًا اجتماعيًا، ورسالة وطنية، وإحدى أدوات بناء الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني.
أولًا: الدستور المصري يحظر التمييز بصورة قاطعة.
جاء الدستور المصري ليؤسس لمبدأ المواطنة باعتباره أحد الركائز الأساسية للدولة.
فنصت المادة (4) على أن السيادة للشعب وحده، وأن الشعب المصري هو مصدر السلطات، وأن الوحدة الوطنية تقوم على مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص.
كما نصت المادة (9) على أن:
“تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز.”
وهو التزام دستوري يقع على عاتق جميع مؤسسات الدولة والهيئات العامة والجهات التي تقدم خدمات عامة، ومنها المؤسسات الرياضية.
وجاءت المادة (53) لتقرر أحد أهم المبادئ الدستورية، فنصت على أن: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين أو العقيدة أو الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو المستوى الاجتماعي أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو لأي سبب آخر.”
ثم أكدت المادة ذاتها أن: “التمييز والحض على الكراهية جريمة، يعاقب عليها القانون.”
ومن ثم فإن أي استبعاد لشخص من حق من الحقوق بسبب ديانته أو اسمه ـ إن ثبت ـ لا يمثل مجرد مخالفة إدارية، وإنما يصطدم مباشرة بالنصوص الدستورية الآمرة.
ثانيًا: قانون الرياضة يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص.
أكد قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 أن ممارسة النشاط الرياضي حق لجميع المواطنين، وأن الهيئات الرياضية تؤدي رسالة اجتماعية ووطنية تقوم على احترام الدستور والقانون.
كما أن الأندية الرياضية، رغم ما تتمتع به من استقلال في إدارة شؤونها، تظل ملتزمة باحترام المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها المساواة وعدم التمييز.
ولا يجوز أن تتحول اختبارات الناشئين أو اختيار اللاعبين إلى مجال يخضع للاعتبارات الدينية أو الاجتماعية أو الشخصية، لأن معيار الاختيار الوحيد ينبغي أن يكون الموهبة والكفاءة والقدرة الفنية.
ثالثًا: المنتخب الوطني يمثل جميع المصريين.
المنتخب المصري لا يمثل فئة من المواطنين، وإنما يمثل الشعب المصري بأكمله.
ولهذا فإن الانضمام إلى المنتخبات الوطنية يجب أن يقوم على معيار وحيد، هو الجدارة الرياضية.
فاللاعب الذي يرتدي قميص المنتخب لا يمثل دينًا معينًا، وإنما يحمل علم مصر، ويعزف له السلام الوطني، ويدافع عن اسم الوطن أمام العالم.
ولهذا فإن أي معيار آخر غير الكفاءة يتعارض مع فلسفة الرياضة ورسالة الدولة المصرية الحديثة.
رابعًا: توجيهات القيادة السياسية تدعم الاختيار المجرد من أي تمييز.
حيث أكد فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن معيار تولي المسؤوليات والفرص في الدولة يجب أن يكون الكفاءة والاستحقاق، وأن جميع المصريين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز.
كما شددت الدولة خلال السنوات الأخيرة على ترسيخ قيم المواطنة، واحترام التنوع، ورفض جميع صور الإقصاء، وهو ما انعكس في العديد من السياسات والممارسات الرسمية التي تستهدف تعزيز مبدأ المساواة بين المواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ممارسة فردية قد تنطوي على تمييز لا تعبر عن توجه الدولة، بل تمثل خروجًا على الدستور والقانون والسياسة العامة التي تؤكدها مؤسسات الدولة.
خامسًا: التمييز يهدر الموهبة ويضر بالرياضة المصرية.
الرياضة الحديثة أصبحت علمًا يعتمد على اكتشاف الموهبة وتنميتها.
وأي إقصاء قائم على اعتبارات غير فنية يؤدي إلى خسارة مواهب كان يمكن أن تمثل مصر في البطولات القارية والعالمية.
فالمنتخبات القوية لا تُبنى على الهوية الدينية للاعبين، وإنما تُبنى على أفضل العناصر الفنية.
ولهذا فإن العدالة في الاختيار ليست فقط التزامًا قانونيًا، بل هي أيضًا ضرورة رياضية ووطنية.
سادسًا: الحاجة إلى ضمانات عملية.
ولكي تتحول المبادئ الدستورية إلى واقع عملي، فإن الأمر يستلزم استمرار تطوير آليات اختيار اللاعبين داخل الأندية ومراكز الشباب والمنتخبات، بما يعزز الشفافية والموضوعية، ومن ذلك:
١- وضع معايير فنية معلنة للاختبارات.
٢- توثيق نتائج الاختبارات بصورة يمكن مراجعتها.
٣- تمكين أولياء الأمور من التظلم عند وجود شبهة مخالفة.
٤- سرعة التحقيق في أي ادعاء يتعلق بالتمييز.
٥- توقيع الجزاءات القانونية والتأديبية على من يثبت ارتكابه أي مخالفة.
وهذه الإجراءات لا تستهدف التشكيك في المؤسسات الرياضية، وإنما تعزيز الثقة في نزاهة منظومة الاختيار.
ونرى إن قوة الدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات، وإنما أيضًا بقدرتها على ترسيخ سيادة القانون وضمان المساواة بين جميع مواطنيها.
وإذا كانت الواقعة محل التحقيق لم تثبت بعد، فإن مجرد سرعة استجابة وزارة الشباب والرياضة والإعلان عن التحقيق الفوري يعكس احترامًا لمبدأ سيادة القانون، ويؤكد أن أي ادعاء بالتمييز يجب أن يخضع للفحص الجاد والموضوعي، وأن المسؤولية لا تثبت إلا بعد استكمال التحقيقات.
ويبقى المبدأ الذي لا خلاف عليه هو أن لكل طفل مصري، ولكل شاب مصري، الحق الكامل في أن يحلم بارتداء قميص ناديه أو منتخب بلاده، وأن يخضع لتقييم عادل يقوم على الموهبة والاجتهاد والانضباط وحدها، دون نظر إلى اسمه أو ديانته أو معتقده.
فالمواطنة ليست شعارًا يُرفع، وإنما مبدأ دستوري ملزم، والرياضة المصرية لا يمكن أن تحقق رسالتها الوطنية إلا إذا ظلت أبوابها مفتوحة أمام جميع أبناء الوطن على قدم المساواة، ليكون معيار الاختيار دائمًا هو الكفاءة، وليظل علم مصر هو الهوية التي تجمع الجميع.





