الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
رحل اليوم الموسيقار الكبير هاني شنودة، عن عمر بلغ ثلاثة وثمانين عامًا، بعد مسيرة فنية طويلة تركت أثرًا واضحًا في الأغنية المصرية والموسيقى التصويرية ووجدان أجيال كاملة. وُلد في طنطا سنة ١٩٤٣، وتخرّج في كلية التربية الموسيقية سنة ١٩٦٦، ثم واصل دراسته في الكونسرفتوار.

أسّس سنة 1977 فرقة "المصريين"، وفتحت تجربتها طريقًا جديدًا أمام الأغنية المصرية الحديثة. حملت الفرقة لغة موسيقية مختلفة، واستخدمت الآلات والتوزيعات الحديثة، وقدّمت الأغنية في صورة جماعية تمتلك روحًا وهوية واضحتين. ولم تزل أعمالها حاضرة حتى اليوم، ولم تزل أجيال جديدة تعود إليها وتعيد اكتشافها. وامتلك هاني شنودة قدرة خاصة على اكتشاف المواهب. أسهم في البدايات الفنية لمحمد منير، ولحّن له أغنيات من ألبومه الأول «علّموني عينيكي»، وساعد عمرو دياب في خطواته الأولى. كما وضع الموسيقى التصويرية لأعمال بقيت راسخة في الذاكرة، منها «المشبوه» و«الغول» و«غريب في بيتي» و«عائلة الأستاذ شلش». وفي سنة ٢٠٢٣ حصل على جائزة الدولة التقديرية في الفنون، تقديرًا لإسهامه في تطوير الأغنية المصرية والعربية وموسيقى السينما.

 الموسيقى والإنسان واللاهوت
لا تقدّم الموسيقى معلومة، ولا تدخل في مناظرة، ولا تحتاج دائمًا إلى كلمات. ومع ذلك تستطيع أن تصل إلى منطقة في الإنسان قد تعجز اللغة عن بلوغها. قد تعيد إلينا وجهًا غائبًا، أو بيتًا قديمًا، أو حبًا لم يكتمل، أو زمنًا لم يعد موجودًا إلا في نغمة. إنها لا تلغي الحزن، لكنها تمنحه شكلًا يمكن احتماله؛ ولا تهزم الموت، لكنها تمنع الغياب من أن يتحول إلى عدم. ولذلك لم تنظر الكنيسة الكاثوليكيّة إلى الفن بوصفه زينة هامشية للحياة. ففي ختام المجمع الفاتيكاني الثاني وجّه البابا بولس السادس رسالة إلى الفنانين، قال فيها إن الكنيسة احتاجت إليهم دائمًا لأنهم ساعدوها على ترجمة رسالتها الإلهية إلى لغة الأشكال والصور، وجعلوا العالم غير المنظور محسوسًا وقريبًا من الإنسان. الفن هنا لغة تستطيع أن تلمس ما لا تستطيع المفاهيم وحدها أن تعبّر عنه.

أما البابا يوحنا بولس الثاني، ففي رسالته الشهيرة إلى الفنانين سنة ١٩٩٩، انطلق من قول سفر التكوين: «ورأى الله كل ما صنعه فإذا هو حسن جدًا». ورأى أن الفنان، من دون أن يكون خالقًا من العدم، يشارك بصورة خاصة في دعوة الإنسان إلى تشكيل العالم والكشف عن جماله. ووصف الأعمال الفنية بأنها بحث عن «تجلّيات جديدة للجمال» تُقدَّم عطيةً للعالم. فالجمال، في هذا المنظور هو إحدى الطرق التي تنكشف بها الحقيقة للإنسان.

وكان البابا بندكتوس السادس عشر، وهو نفسه محبّ عميق للموسيقى وعازف للبيانو، يرى أن الموسيقى يمكنها أن تفتح القلب على ما يتجاوز الإنسان. وقد قال في حديثه عن القديس رومانوس المرنّم: «الإيمان محبة، ولذلك يخلق الشعر والموسيقى؛ والإيمان فرح، ولذلك يخلق الجمال». لم يقل إن كل موسيقى هي ليتورجيا أو وعظ، بل قال إن الخبرة الإنسانية العميقة حين تصير صوتًا وجمالًا قد تفتح في الإنسان مساحة للتساؤل والدهشة والتجاوز.

وميّز البابا بندكتوس بدقة بين الموسيقى بوصفها فنًا إنسانيًا، وبين الموسيقى المقدسة داخل الليتورجيا، التي يجب أن تكون في خدمة الصلاة لا في استعراض المؤدّي. فالغاية من الموسيقى الليتورجية، وفق تعليم المجمع الذي أعاد التأكيد عليه، هي «مجد الله وتقديس المؤمنين»؛ لذلك تكون الموسيقى في العبادة خدمةً للكلمة والجماعة والسرّ، ليس فقرة فنية جميلة فحسب.

وتحدث البابا فرنسيس عن الموسيقى بوصفها لغة وحدة، تستطيع أن تجمع المختلفين وتخلق انسجامًا من أصوات متعددة من دون أن تلغي اختلافها. وفي لقائه بالجوقات سنة ٢٠٢٤ وصف اجتماع أصوات قادمة من أماكن مختلفة، يجمعها الإيمان والشغف بالموسيقى، بأنه علامة بليغة على الوحدة. وهذه ربما إحدى أجمل صور الجماعة الإنسانية: ليس مطلوبًا أن يغنّي الجميع النغمة نفسها، بل أن تتآلف النغمات المختلفة داخل عمل واحد.

وقال البابا لاون الرابع عشر إن الموسيقى تشبه جسرًا يقود الإنسان إلى الله؛ لأنها تحمل المشاعر وأعمق حركات النفس، وترفعها كأنها سلّم يصل الأرض بالسماء. وهي عبارة تلخّص شيئًا من سرّ الموسيقى: إنها تبدأ من الجسد، من وترٍ يُضرَب ونَفَس يهتزّ، لكنها توقظ فينا حنينًا إلى ما لا يستطيع الجسد وحده أن يحتويه. ليس معنى ذلك أن قيمة الموسيقى تُقاس فقط بكونها دينية، أو بأنها تذكر اسم الله صراحة. فتوجد موسيقى لا تتحدث عن السماء، لكنها تجعل الأرض أكثر إنسانية. موسيقى تحفظ الذاكرة، وتمنح الفرح، وترافق العاشق والمتألم والوحيد، وتردّ إلى الإنسان شيئًا من ذاته. وكل فن صادق يقاوم القبح والابتذال والقسوة، ويفتح في العالم مكانًا للجمال، يشارك بطريقة ما في خدمة الحياة.

هاني شنودة كان واحدًا من أولئك الذين منحونا هذه الخدمة من دون أن يسمّوها كذلك. أعطانا موسيقى ارتبطت ببيوتنا وشوارعنا وأفلامنا وذكرياتنا؛ موسيقى لم تبقَ حبيسة النوتة، بل دخلت في تكوين وجدان أجيال كاملة. واليوم يصمت الموسيقار، لكن الموسيقى لا تصمت. فالإنسان يرحل، أما ما زرعه من جمال في أرواح الآخرين فيواصل الحياة بطرق لا يستطيع الموت أن يوقفها.

وداعًا هاني شنودة.

شكرًا لأنك جعلت حياتنا أكثر موسيقى، وذاكرتنا أكثر جمالًا.

وليمنحك الله الراحة والنور والسلام، ويعزّي أسرتك وكل من أحبّك، وكل من وجد في ألحانك يومًا شيئًا من نفسه.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ