(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
يوجد وجهٌ مهمّ للمسيح المصلوب؛ وهو "المسيح المسمَّر والمعلَّق والمربوط" بصليبه وفي صليبه، أي بقراراته واختياراته التي اتّخذها من قَبْل.
ولقد ظلّ أمينًا لها وفيها –بحسمٍ وحزمٍ شديدين– حتّى النهاية.
وتَظهر هنا قوّةُ الارتباط والتعلُّق بما تعهّد به لله أبيه، وللبشريّة جمعاء، أي المضيّ قُدمًا في رسالته، مهما كان الأمر مكلّفًا ومنهِكًا، وبالرغم من سُخريّة واستهزاء الشَّعْب ورؤَساء الكهنة والجُنود، وخَلْفهم الشيطان الذي عاد ليجرّبه من جديدٍ (لوقا 4: 1-13؛ 23: 33-
37): «فلَمَّا أَنْهى إِبليسُ جَميعَ ما عِندَه مِن تَجرِبَة، اِنصَرَفَ عَنه إِلى أَن يَحينَ الوَقْت» (لوقا 4: 13).
لقد بلغت قوّةُ إرادته وأمانته ومثابرته، بعَوْنٍ من قوّة النعمة، إلى ذُروتها في تسمير يَدَيه ورِجلَيه.
لقد عَقَدَ المسيحُ العَزم –بإصرارٍ وحسمٍ وحزمٍ– لتَجرُّع كَأْسه برمّتها، ومواصلة مجازفته إلى نهايتها. إنّه ليس مسيحَ البدايات فحسب، بل مسيح النهايات والقِمْم والذُروة والحسم والحزم.
يمكننا أن نتفكّر، انطلاقًا من "المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، في خبرات الربط والارتباط والتعلُّق المتنوّعة الموجودة في حياتنا، بل التي تغلّف حياتنا برمّتها؛ أي في قراراتنا واختياراتنا الحاسمة والنهائيّة، التى تتطلّب منَّا نوعًا من الأمانة والاستمراريّة والحسم والحزم والعزم.
وبكلماتٍ أُخرى، يتعلّق الأمر بقرارات واختيارات حاسمة، وبشكلٍ نهائيّ، وإلى مدى الحياة؛ أعني فِعْل الارتباط والتعلُّق بشيءٍ ما من دون رجعة، بغضّ النظر عن العوائق والعقبات
والتهديدات، أو حتّى الإغراءات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمَّة قرارات واختيارات الزواج، والكهنوت، والتكريس؛ إذ إنّها تتطلّب الحسم والصُمُود
والاستمراريّة حتّى النهاية. ومع كون العالم المعاصر يرفض –بأشكالٍ عدّة– هذا النوع من الارتباط والتعلُّق، بل ويناهضه، وينادي بأنّ كلّ شيءٍ هو وقتيٌّ ولحظيّ، فما مِن أمرٍ يستمرّ طويلًا، ويزعم بأنّنا في زمن القرارات والاختيارات السائلة والمائعة والاستهلاكيّة؛ يحثّنا وجهُ "المسيح المسمَّر والمعلّق والمربوط"، إلى الاقتداء بهذا الأمر عينه، أعني "روحانيّة التسمير والارتباط والتعلُّق"!





