القمص منقريوس المحرقي
“لَكِنَّنَا لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ لِلَّهِ لاَ مِنَّا.” (٢ كورنثوس ٤: ٧)
في كل عام تحتفل الكنيسة بعيد الرسولين العظيمين بطرس وبولس، لا لأنها تمجد شخصين عظيمين، بل لأنها تمجد عمل نعمة الله القادرة أن تحول الإنسان الضعيف إلى رسول يحمل المسيح للعالم.إن عيد الرسل هو عيد النعمة، وعيد الدعوة، وعيد الجهاد، وعيد المحبة التي تبذل نفسها حتى الموت.

أولاً: الله لا يبحث عن الكامل… بل عن القلب المستعد
حين اختار السيد المسيح تلاميذه لم يختر فلاسفة ولا أصحاب نفوذ، بل اختار صيادين بسطاء.كان بطرس مندفعًا، سريع الكلام، كثير السقوط، حتى إنه أنكر معلمه ثلاث مرات.أما بولس، فكان مضطهدًا للكنيسة، “نافثًا تهددًا وقتلًا على التلاميذ” (أعمال ٩: ١).ولكن المسيح لم يرَ ماضيهما، بل رأى ما ستصنعه النعمة فيهما.إن الله لا ينظر إلى ما نحن عليه الآن، بل إلى ما يمكن أن نصير إليه إذا سلمنا حياتنا له. فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم:“نعمة الله لا تبحث عن استحقاق الإنسان، بل تخلق فيه الاستحقاق.”كم من إنسان يظن أن ضعفه يمنعه من خدمة الله! بينما الحقيقة أن الله يبدأ دائمًا بالضعفاء.

ثانيًا: طريق الرسول يبدأ بالصليب
لم يكن طريق بطرس مفروشًا بالورود.
سُجن…
وجُلد…
وأُهين…
وفي النهاية صُلِب مقلوبًا لأنه رأى نفسه غير مستحق أن يموت مثل سيده.
وبولس يقول عن نفسه:
“في الأتعاب أكثر… في الضربات أوفر… في السجون أكثر…” (٢ كورنثوس ١١).
لقد حمل الاثنان الصليب قبل أن يحملا الإكليل.
واليوم نريد مجد القيامة، لكننا نهرب من الصليب.
نريد البركة، لكن دون تعب.
نريد السماء، لكن دون جهاد.
أما الرسل ففهموا أن طريق المسيح لا ينفصل عن الصليب.

كما قال الرب:“إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني.” (لوقا ٩: ٢٣)

ثالثًا: الرسل لم ينقلوا معلومات… بل نقلوا حياة
العالم لا يحتاج إلى مزيد من الكلمات، بل إلى أشخاص يعيشون الإنجيل.لقد كان الناس يرون المسيح في بطرس.

ويرون المسيح في بولس.لذلك انتشرت المسيحية، لا بقوة السيف، بل بقوة القداسة.قال القديس البابا أثناسيوس الرسولي:“الكلمة التي لا تسندها الحياة، تبقى صوتًا يختفي في الهواء.”إن أخطر ما يواجه الكنيسة اليوم ليس قلة الوعظ، بل قلة الحياة الإنجيلية.فالرسول الحقيقي هو إنجيل مفتوح يقرأه الجميع.

رابعًا: الوحدة رغم الاختلاف
لا يمكن أن نجد شخصيتين أكثر اختلافًا من بطرس وبولس.
بطرس صياد بسيط.
وبولس عالم وفريسي.
بطرس يخدم اليهود أولًا.
وبولس رسول الأمم.
بطرس عاطفي.
وبولس تحليلي.
لكن الروح القدس جمعهما في خدمة واحدة.
فالكنيسة ليست وحدة في الطباع، بل وحدة في الروح.
ليس المطلوب أن نتشابه، بل أن نتحد في المسيح.
يقول الرسول:“جسد واحد وروح واحد.” (أفسس ٤: ٤)

خامسًا: الاستشهاد ليس نهاية الخدمة… بل اكتمالها
احتفل الرسل بالنصر يوم استشهدوا.
لأن الاستشهاد لم يكن خسارة، بل كان ختمًا على حياة عاشوها للمسيح.
كتب بولس قبل استشهاده:“قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان.” (٢ تيموثاوس ٤: ٧)
هذه ليست كلمات إنسان يحتضر…
بل كلمات إنسان يعود إلى بيته.
أما بطرس فيكتب:“إني عالم أن خلع مسكني قريب.” (٢ بطرس ١: ١٤)
لقد عاش الاثنان في شوق دائم إلى اللقاء الأخير مع المسيح.
ماذا يقول عيد الرسل لكل واحد منا؟
قد لا نكون رسلًا يجوبون العالم…
لكن كل واحد مدعو أن يكون رسولًا في بيته.
في عمله.
في كنيسته.
في كلمته.
في أمانته.
في محبته.
فالرسول ليس لقبًا، بل أسلوب حياة.
كل مرة نسامح…
نكون رسلًا.
كل مرة نشهد للحق…
نكون رسلًا.
كل مرة نقود إنسانًا إلى المسيح…
نكون رسلًا.
رسالة إلى خدام الكنيسة
الخدمة ليست نشاطًا…
وليست اجتماعًا…
وليست منصبًا…
الخدمة هي حياة تذوب حبًا للمسيح.
فمن لا يحترق بمحبة المسيح، لن يضيء للآخرين.

خاتمة
في عيد الرسل لا نسأل:
كم أعرف عن بطرس؟
ولا:كم قرأت عن بولس؟
بل نسأل أنفسنا:هل يمكن أن يراني الناس فأقودهم إلى المسيح؟
هل أعيش الإنجيل أم أتكلم عنه فقط؟هل انتهى إيماني عند حدود الكنيسة، أم صار رسالة لكل من يقابلني؟
فلنصلِّ في هذا العيد: “يا رب، كما صنعت من بطرس رسولًا بعد إنكاره، ومن بولس رسولًا بعد اضطهاده، اصنع منا نحن أيضًا شهودًا لاسمك. أعطنا قلبًا يحبك، ولسانًا يشهد لك، وحياةً تعلن إنجيلك، حتى إذا انتهت غربتنا نستطيع أن نقول مع رسولك بولس: قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان.